رويدا العربي-هي تتحقق
أثار المحتوى الرقمي الذي نشره حامد الإدريسي حول “أكاديمية هندسة الأجيال” حالة من الاستقطاب والجدل الواسع على المنصات الاجتماعية، حيث عكست آلاف الإعجابات ومئات المشاركات حجم التفاعل مع منظومة تعليمية بديلة يتم الترويج لها.
في منشور استشهد فيه بحالة ابنته، يقدم الإدريسي الأكاديمية لا كخيار تعليمي فحسب، بل كبديل كلي للمسارات النظامية؛ حيث يبشر بتخرج ابنته “مهندسة أجيال” بعد استبعادها من “بيئات المدارس” التي وصفها بالعوائق.

يستند هذا الخطاب إلى طرح أيديولوجي صريح ينتقد التعليم الرسمي ويصوره كمهدد “للفطرة”، داعياً الفتيات بوضوح إلى مغادرة المسار الجامعي والاكتفاء بتكوينات تربوية وأسرية، بدعوى إعدادهن ليكنّ “مديرات تنفيذيات لأسر” كأولوية تسبق أي دور علمي أو مهني آخر.
ويبرز الإدريسي بوصفه الفاعل المركزي في هذا النموذج، إذ يجمع في خطابه بين الطرح التربوي والديني، مع تقديم نفسه مرجعية في قضايا الأسرة والتربية، وهو ما يعزز حضوره لدى شريحة من المتابعات، خاصة مع توظيف ألقابه وسيرته الذاتية في المواد الترويجية.

وبحسب ما تنشره الأكاديمية على موقعها الرسمي، تشير بياناتها إلى تسجيل أكثر من 100000 مشاركة، وتقديم ما يزيد على 1280 محاضرة، بمشاركة أكثر من 45 مدرسا، ومنتسبات يتوزعن على 66 دولة.

في هذا السياق، تروج هذه التكوينات لشهادات تحمل مسميات مثل “مهندسة أجيال”، وتطرح نفسها كمسار بديل للتعليم الجامعي.
ومع اتساع نطاق الانتساب عبر الحدود، تبرز تساؤلات حول الوضع القانوني لهذه البرامج، ومدى الاعتراف الفعلي بشهاداتها، وتوافقها مع الأطر المنظمة للتعليم العالي.
يستند هذا التحقيق إلى مراجعة وثائق رسمية ومراسلات مع جهات مختصة في الولايات المتحدة، إضافة إلى تواصل مباشر مع الجامعة المذكورة، وذلك بهدف تدقيق هذه الادعاءات في ضوء المعايير القانونية، وتقديم قراءة موثقة لطبيعة هذه البرامج وحدود الاعتراف بها.
كيف تقدم الأكاديمية برامجها ومن تستهدف؟
تعتمد “أكاديمية هندسة الأجيال” في تسويقها على تقديم نموذج تعليمي مواز يقوم على مفاهيم مثل “التمكين الأسري” و”التربية الذاتية”، مع توجيه خطابها بشكل مباشر إلى الفتيات والنساء في المغرب والمنطقة العربية.
ويجري الترويج لهذه البرامج عبر منصات التواصل الاجتماعي بوصفها بديلا أو مكملا للتعليم الجامعي، مع وعد المنتسبات بالحصول على دبلومات تحمل مسميات مثل “مهندسة أجيال”، وهو توصيف يتم تسويقه كقيمة مهنية واجتماعية.

وترتكز استراتيجية الاستقطاب على عدة عناصر، في مقدمتها مرونة التعليم عن بعد، إلى جانب طرح منهج يجمع بين مواد ذات طابع ديني وأسري وإرشادي. ويواكب ذلك تأكيد متكرر على وجود “اعتماد دولي” صادر عن مؤسسات تعليمية في الولايات المتحدة، وبشكل خاص “الجامعة الإسلامية بمينيسوتا“.

ويقدم هذا الخطاب باعتباره حلا يوازن بين متطلبات التعليم والحياة الأسرية، وهو ما ساهم في استقطاب منتسبات من دول عربية متعددة، في ظل تصور بأن هذه البرامج توفر مسارا تعليميا آمنا، مقابل رسوم مالية تدفع لقاء الالتحاق والحصول على الشهادات.
الاعتماد الأكاديمي بين الادعاء والواقع
يشكل “الاعتماد الأكاديمي” عنصرا محوريا في تسويق برامج “أكاديمية هندسة الأجيال”، حيث تقدم الشهادات بوصفها دبلومات صادرة عن “الجامعة الإسلامية بمينيسوتا” في الولايات المتحدة، ويقترن ذلك بالترويج لمرونة التعليم عن بعد كأحد عوامل الجذب للمنتسبات.
غير أن مراجعة وضع هذه الاعتمادات تكشف عن إشكال قانوني واضح. فبحسب مراسلات مع مجلس اعتماد التعليم العالي في الولايات المتحدة CHEA، لا تندرج المؤسسة ضمن قائمة الجهات المعترف بها أكاديميا.

كما أفاد مكتب التعليم العالي في ولاية مينيسوتا OHE بأن الترخيص الممنوح لها يندرج ضمن “الإعفاء الديني”، وهو تصنيف لا يرقى إلى مستوى الاعتماد الأكاديمي، ولا يترتب عليه اعتراف رسمي بالدرجات العلمية لأغراض المعادلة أو الاستخدام المهني.

في السياق نفسه، استندت المواد الترويجية إلى إبراز تسجيل “الجامعة الإسلامية بمينيسوتا” لدى سلطات ولاية مينيسوتا، مع الاستشهاد ببياناتها الرسمية بوصفها دليلا على الشرعية المؤسسية.

غير أن هذا النوع من التسجيل يندرج ضمن الإجراءات القانونية الخاصة بتأسيس الكيانات داخل سجلات الأعمال، ولا يمثل بأي حال شكلا من أشكال الاعتماد الأكاديمي أو التقييم التعليمي من قبل هيئات ضمان الجودة في التعليم العالي بالولايات المتحدة.

هذا التمييز الجوهري بين “التسجيل القانوني” و”الاعتماد الأكاديمي” يغيب في الخطاب الترويجي، بما قد يخلق انطباعا مضللا لدى المتلقي حول القيمة العلمية للشهادات الممنوحة.
شهادات من داخل التجربة
خلف الأرقام التي تروج لها الجهات المنظمة حول آلاف المنتسبات، تكشف شهادات فردية عن تجارب أكثر تعقيدا مما يعكسه الخطاب التسويقي. فقد تواصل فريق “هي تتحقق” مع عدد من المنتسبات السابقات في دول عربية مختلفة، واطلع على إفادات مفصلة توثق مسار الالتحاق، وطبيعة المحتوى المقدم، والانطباعات التي تكونت لديهن بعد خوض التجربة.
زينب (اسم مستعار – الجزائر)، التحقت بالبرنامج مباشرة بعد حصولها على الشهادة الثانوية، في سياق بحثها عن بديل تعليمي يمكن متابعته عن بعد، خاصة مع تقديم الدبلوم في محيطها على أنه مسار “معادل” للتعليم الجامعي ويوفر فرصا مهنية لاحقة. وتشير إلى أنها دفعت الرسوم والتحقت بالدورات على هذا الأساس، قبل أن تكتشف تدريجيا، خلال متابعتها للمحاضرات، أن المحتوى يفتقر إلى البناء الأكاديمي المنهجي، ويغلب عليه الطابع الوعظي والتوجيهي العام، دون وجود مراجع علمية واضحة أو تقييمات تعليمية منتظمة. وتوضح أن غياب الإطار الأكاديمي المنظم، إلى جانب عدم وضوح مخرجات الشهادة، دفعها إلى التوقف وإعادة التفكير في مسارها، بعد أن كانت قد أضاعت فترة زمنية كان يمكن أن تستثمرها في الالتحاق بمؤسسة جامعية نظامية.
أما فاطمة (طبيبة – المغرب)، فتؤكد أن دافعها للالتحاق كان مختلفا، إذ لم يكن بهدف الحصول على شهادة، بل بدافع الاطلاع على محتوى يقدم بوصفه “تكوينا مكملا” في مجالات الأسرة والتربية. غير أنها تفيد بأن بعض المحاضرات تضمنت طرحا ينتقد انخراط النساء في مجالات علمية ومهنية، بما في ذلك القطاع الطبي، وهو ما اعتبرته طرحا لا ينسجم مع واقع الممارسة المهنية ولا مع مبادئ التمكين التي يروج لها البرنامج. كما تشير إلى أن طريقة تقديم المحتوى تفتقر إلى العمق العلمي والتحليل المنهجي، وتعتمد بشكل أساسي على آراء وتوجيهات عامة، دون تأطير أكاديمي واضح أو إحالات معرفية موثوقة، ما جعلها تصف التجربة بأنها “مخيبة للتوقعات” قياسا بما تم الترويج له.
وتعكس هذه الشهادات، رغم طابعها الفردي، أنماطا متكررة تتعلق بطبيعة المحتوى وحدود قيمته التعليمية، كما تبرز فجوة بين الخطاب التسويقي الذي يقدم هذه البرامج بوصفها بديلا أكاديميا أو مسارا موازيا معتمدا، وبين تقييم بعض المنتسبات لتجربتهن الفعلية من حيث الجودة، والمنهجية، وقابلية الاستفادة المهنية أو الأكاديمية منها.
كيف تستهدف “الجامعة الإسلامية بمينيسوتا – فرع المغرب” النساء بوعود الدرجات السريعة؟
لا يقتصر الاستهداف الجندري على برامج “أكاديمية هندسة الأجيال”، بل يمتد إلى الخطاب الترويجي لـ “الجامعة الإسلامية بمينيسوتا – فرع المغرب“، التي تسوق لبرامج الماجستير والدكتوراه بصيغة تركز على المرونة وسرعة الإنجاز.
وتُعرض هذه البرامج من خلال إعلانات تستند إلى نماذج لمنتسبات قيل إنهن حصلن على شهادات “معتمدة دوليا” خلال فترات زمنية قصيرة لا تتجاوز عامين، مع التأكيد على إمكانية التوفيق بين الدراسة والالتزامات المهنية والأسرية.
ويعتمد هذا الخطاب على عناصر جذب رئيسية، من بينها حرية اختيار موضوع البحث، ونمط إشراف يوصف بالمرن، إلى جانب إمكانية إتمام الدراسة عن بعد. ويقدم ذلك ضمن تصور يجعل الحصول على الدرجة الأكاديمية مسارا ميسرا لا يتطلب الالتحاق بنظام تعليمي تقليدي.


”وعند التواصل مع الجامعة الإسلامية بمينيسوتا عبر قنوات الاتصال الرسمية الخاصة بها، أفادت في ردها بإمكانية استخدام هذه الشهادات للعمل في الولايات المتحدة، وتحديداً في ولاية مينيسوتا، مستشهدةً بامتلاكها لـ المصادقة الأمريكية وختم الأبوستيل (Apostille) كدليل على شرعيتها الدولية. كما أوضحت، في تواصل مباشر مع فريق هي تتحقق، أن الالتحاق بهذه البرامج يتم مقابل رسوم مالية تبلغ نحو 2500 دولار لدرجة الماجستير و3500 دولار لدرجة الدكتوراه.


ما هو “الأبوستيل” (Apostille) الذي تتذرع به الجامعة؟
إن الوثائق التي تروج لها الجامعة كدليل اعتراف (كما يظهر في الصور أعلاه) ليست اعتماداً أكاديمياً، بل هي ما يُعرف بـ “سلسلة التصديقات الإدارية”. فختم وزارة الخارجية الأمريكية (Department of State) ووثيقة سكرتارية الولاية يمثلان “الأبوستيل”؛ وهو إجراء إداري يقتصر دوره على تصديق “صحة التوقيع والختم” الموجود على الورقة لضمان قانونية شكلها عند استخدامها دولياً.

بمعنى أدق: هذه الجهات الحكومية تُصادق على أن الشخص الذي وقع على الشهادة هو شخص حقيقي ومخول بالتوقيع، لكنها لا تتحمل أي مسؤولية عن محتوى الوثيقة ولا تمنحها أي شرعية علمية أو اعترافاً أكاديمياً.
لذا، فإن استغلال هيبة هذه الأختام الرسمية لتسويق برامج تعليمية مدفوعة لا يتوافق مع معايير الجودة الأكاديمية في الولايات المتحدة، التي تشترط حصراً حصول المؤسسة على اعتماد من هيئات معترف بها من وزارة التعليم الأمريكية أو مجلس (CHEA)، وهو ما لا تملكه هذه المؤسسة، مما يجعل هذه الشهادات مجرد أوراق رسمية من حيث “الشكل” وفاقدة للقيمة الأكاديمية من حيث “المضمون”.”
وتندرج هذه الحالة ضمن سياق أوسع يشهد تناميا في نماذج التعليم العابر للحدود، خاصة عبر المنصات الرقمية، حيث تتزايد البرامج التي تقدم نفسها كبدائل مرنة للتعليم الجامعي التقليدي، مستفيدة من غياب أطر تنظيمية موحدة على المستوى الدولي.
وفي هذا الإطار، تميز الهيئات المختصة في الولايات المتحدة، مثل مجلس اعتماد التعليم العالي CHEA، بين التسجيل القانوني للمؤسسات والاعتماد الأكاديمي الصادر عن هيئات معترف بها، وهو تمييز جوهري يحدد مدى الاعتراف بالشهادات وإمكانية استخدامها مهنيا وأكاديميا.
كما تفرض أنظمة التعليم العالي في عدد من الدول اشتراطات صارمة لمعادلة الشهادات الأجنبية، ترتبط بمصدرها واعتماد المؤسسة المانحة، ما يجعل الالتحاق ببرامج غير معترف بها مخاطرة قد تؤدي إلى فقدان الوقت والموارد دون عائد مهني فعلي.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز تحدي حماية المستفيدات من المعلومات المضللة المرتبطة بالمسارات التعليمية البديلة، خاصة عندما تستهدف هذه البرامج النساء بخطاب يجمع بين الوعود المهنية والاعتبارات الاجتماعية، في بيئة رقمية تتجاوز فيها العروض التعليمية الحدود الجغرافية دون رقابة فعالة.