أميرة النعال-حميدة علي-هي تتحقق
لم تكن قضايا المهاجرين والعمالة الوافدة في ليبيا بعيدة يوماً عن التجاذبات، لكنها باتت مؤخراً تخضع لعملية “هندسة جندرية” ممنهجة داخل الفضاء الرقمي.
ففي موجة الشائعات الأخيرة، جرى استخدام رموز الحماية المجتمعية الأكثر حساسية —المرأة والطفل— كأدوات لتمرير الكراهية وصناعة ذعر أخلاقي موجه، بدءً من ادعاءات “التنكر بزي نسائي” لانتهاك حرمة المنازل، إلى توظيف قضايا الطفولة لترهيب المجتمع صحياً.
رصد فريق “هي تتحقق” خلال الأسابيع الأخيرة تداول صفحات وحسابات ليبية على فيسبوك مجموعة من المنشورات والادعاءات المرتبطة بالمهاجرين والعمالة الأفريقية داخل ليبيا، تضمنت مزاعم حول جرائم قتل طالت سيدة (طبيبة) على يد عاملة منزلية، ونقل أمراض أدت إلى وفاة طفل من زميله الأفريقي داخل مدرسة، وحوادث تنكر رجال أجانب بزي نسائي.
هذا التقرير يُفكك كيف يُعاد استغلال “النوع الاجتماعي” لتأجيج الشارع، واضعاً خطوط التزييف الرقمي في مواجهة حادة مع تعقيدات أزمة الهجرة وجذورها على الأرض.
مهاجر متنكر بزي نسائي للعمل في المنازل الليبية
تداولت صفحات وحسابات على فيسبوك مقطع فيديو وصورة مجتزأة منه، ادعى ناشروها أنها تظهر شخصًا من ذوي البشرة السمراء متنكرًا بزي نسائي بهدف العمل في البيوت الليبية كعاملة.
تنوعت الصيغ المتداولة للصور و المقاطع، فبعضها زعم أن الصورة تعود لعاملة منزلية تدعى “فاطمة” اكتشفت العائلة أنها رجل بعد سبعة أشهر ويمكن ايجاده هنا ، وبعضها علق بعبارة “لا بيك لا عليك تلقى ذكر جنب مرتك وخواتك”ويمكن ايجاده هنا ، وآخرون زعموا أن المقطع لمهاجر أفريقي يرتدي ملابس داخلية نسائية هنا .

أجرى فريق هي تتحقق بحثًا عكسيًا باستخدام لقطات شاشة من المقطع المتداول، وتبين أن اللهجة التي يتحدث بها من قاموا بتصويره هي اللهجة السودانية.
حيث أوصل البحث إلى حسابات ومنصات إخبارية سودانية هنا و هنا نشرت الصور نفسها مع النص التالي:
“الاستخبارات العسكرية بأبو عنبج تُحبط مخططًا إجراميًا وتضبط متهمًا متنكرًا بزي امرأة“.

وبذلك يتضح أن المقطع والصور المتداولة تعود إلى السودان وليس إلى ليبيا، والادعاء المرتبط بالمهاجرين غير الشرعيين في ليبيا لا أساس له من الصحة.
وفاة طفل بعد انتقال فيروس التهاب الكبد من زميل أفريقي داخل مدرسة
نشرت صفحات ليبية ادعاءً يفيد بوفاة طفل بعد انتقال فيروس التهاب الكبد إليه من زميل أفريقي داخل مدرسة، مع صورة مرفقة للطفل، وجاء النص المرافق للصورة المتداولة كالتالي:
“إنا لله وإنا إليه راجعون ![]()
![]()
![]()

أظهر البحث العكسي عبر محرك البحث Google أن الصورة المرفقة قد تم تداولها سابقًا في سوريا، حيث نشرت حسابات سورية صورة الطفل نفسه، وذكرت أنه يدعى “عمر الأشقر” وتوفي قبل سفره وحصوله على العلاج.
حيث نشر حساب مراقب سوري Syrian observer -حساب معني بالأحداث الجارية في سوريا على منصات التواصل الاجتماعي- صورة الطفل مع تعليق “بعد المناشدات لمساعدته في العلاج دون استجابة… وفاة الطفل “عمر الأشقر” بسبب فيروس التهاب الكبد الوبائي الحاد.

مقتل طبيبة ليبية على يد عاملة منزلية
تداولت منشورات تزعم تورط عاملة من العمالة الوافدة في قتل سيدة (طبيبة) داخل منزل ليبي هنا وهنا ، و جاء في الادعاءات بالخصوص التالي:
“ليبيا : العثور على جثة الدكتورة “صباح عبد اللطيف المسماري” داخل منزلها بعد قتلها على يد خادمتها التشادية

قام فريق هي تتحقق بمراجعة المواقع الرسمية والصفحات الموثقة التابعة للجهات الأمنية الليبية، مثل وزارة الداخلية وأجهزة البحث الجنائي، ولم يعثر الفريق على أي بلاغ أو بيان يفيد بوقوع جريمة قتل طبيبة على يد عاملة منزلية.
كما وجد فريقنا أن منصات و مواقع عربية قامت بتداول الادعاء المذكور عن الطبيبة بذات الصيغ التي تم تداولها في ليبيا، هنا و هنا وهنا.

يشار إلى أن فريقنا لم يتوصل إلى هوية الطبيبة المذكورة في الادعاءات المتداولة، ولا توجد أي معلومات مؤكدة أو موثقة حول وقوع هذه الجريمة من الأساس.
تحركات شعبية متصاعدة تعكس الرفض لأزمة الهجرة
في سياق متصل، يشهد المشهد الليبي تحركات شعبية متزايدة تعبّر عن الرفض لتداعيات أزمة الهجرة غير النظامية والعمالة الوافدة.
ففي منطقة الوادي الشرقي بتاجوراء، ندد أهالي المنطقة في بيان لهم بانعدام الأمن وتزايد جرائم السرقات وتجاوزات المهاجرين، مطالبين بوضع حل عاجل قبل خروج الأوضاع عن السيطرة، وإلقاء نظرة جادة على ملف الهجرة غير الشرعية وما ترتب عليها من مشاكل وسرقات في المنطقة، مؤكدين أن الأمن تغيب تمامًا عن المنطقة وأن السكان باتوا يعانون من السرقات، محذرين من أن استمرار الوضع سيدفعهم إلى ردة فعل غير مرضية للجميع.
ولا تقتصر هذه التحركات على تاجوراء وحدها، إذ يشهد العاصمة طرابلس حراكًا لنشطائها الرافض للتوطن والتوطين باسم حراك نشطاء طرابلس الرافض للتوطن والتوطين، كما تشهد مدينة مصراتة حراكًا مشابهًا تحت اسم ‘حراك مصراتة ضد التوطين والهجرة غير النظامية’، وله المطالب نفسها. تعكس هذه التحركات مجتمعة حالة من الغضب الشعبي المتصاعد في عدة مدن ليبية.”
تصاعد خطاب الكراهية وأرقام حول أعداد المهاجرين
بالتزامن مع انتشار هذه الادعاءات، رصد فريق هي تتحقق تصاعدًا ملحوظًا في خطاب الكراهية تجاه المهاجرين على منصات التواصل الاجتماعي الليبية، خاصة المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، شمل ذلك تعميم الاتهامات، والدعوات إلى طرد جماعي، وربط وجودهم بالجريمة والأمراض.


أرقام متضاربة حول أعداد المهاجرين
بحسب تصريح وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي في مؤتمر صحفي ديسمبر الماضي، بلغت أعداد المهاجرين غير الشرعيين داخل الأراضي الليبية 3 ملايين مهاجر، فيما تشير بعض التقديرات الأوروبية إلى أن الرقم يبلغ حوالي 1.5 مليون مهاجر.
وقال الطرابلسي في مؤتمر “استعراض نتائج البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين غير الشرعيين”، إن القراء المحلية تشير إلى أن متوسط المهاجرين في ليبيا منذ 2012 إلى 2025 بلغ 3 مليون مهاجرا يهدفون إلى الوصول إلى أوروبا.
من جهة أخرى تقول المنظمة الدولية للهجرة إن عدد المهاجرين في ليبيا يقترب من 940 ألف مهاجر، وفقًا لأحدث البيانات المتاحة هنا، والتي تعود إلى إحصاء نُفّذ في نهاية عام 2025. ويُعتقد أن العدد الفعلي غير الرسمي أكبر بكثير.
حدد برنامج مصفوفة تتبع النزوح DTM التابع للمنظمة الدولية للهجرة في ليبيا IOM وجود ما مجموعه 939,638 مهاجراً موزعين على 100 بلدية في جميع أنحاء البلاد.

جذور أزمة الهجرة في ليبيا
تعاني ليبيا من تدفق كبير للمهاجرين كونها دولة عبور رئيسية، إذ دخلها سنويًا الآلاف من طالبي اللجوء من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ساهمت الأحداث الأمنية وعدم الاستقرار السياسي منذ عام 2011 إلى تحول البلاد لمحطة عبور رئيسية إلى أوروبا، كما تفاقمت أزمة تكدس المهاجرين غير النظاميين بعد توقيع مذكرة التفاهم بين ليبيا وإيطاليا عام 2017، التي نصت على تقديم إيطاليا دعمًا ماديًا وتقنيًا لخفر السواحل الليبي.