لا، ليبيا لم “تُمثَّل” بفلسطينية وسودانية… النموذج محاكاة شبابية لا تمثيلٌ رسمي

رئاسة التحرير- هي تتحقق

تداولت عدة حسابات على فيسبوك منشورًا يستنكر أن يكون “وفد ليبيا” في إحدى فعاليات منظمة المرأة العربية قد قدّمته شابتان، إحداهما فلسطينية والأخرى سودانية، ليُبنى على هذا الاستنكار نداءٌ يطالب بترحيل الجنسيات الأجنبية من ليبيا ومن بينها السودانية والفلسطينية، بذريعة أنها “لا تمثّل الشعب الليبي”. وانتشر الادعاء مرفقًا بلقطةٍ من منشورٍ أصلي للمنظمة، أُضيفت فوقه عبارات الرفض وعلامة X حمراء توحي بأن ثمة خطأً جللًا وقع.

 

وجاء في الطبقة المضافة على المنشور تساؤلٌ استنكاري عن كيفية تمثيل ليبيا “بفلسطينية وسودانية”، أعقبه مطلبٌ صريح بترحيل كل الجنسيات في ليبيا، ورفضٌ لحكومات “لا تمثّل الشعب الليبي”.

 

صورة ملتقطة من الشاشة يظهر فيها الادعاء المتداول فوق منشور منظمة المرأة العربيةصورة ملتقطة من الشاشة يظهر فيها الادعاء المتداول فوق منشور منظمة المرأة العربية

 

ويمكن إيجاد الادعاء منشورًا هنا وهنا.

إلا أن هذا الادعاء مضلِّل.

فالمنشور المقتبَس أصلي والفعالية حقيقية، لكن قراءتها بوصفها تمثيلًا دبلوماسيًا للدولة الليبية خاطئة تمامًا، وعلى هذا الخطأ وحده بُني النداء التحريضي.

 مربط المسألة كلمة وردت في المنشور ذاته: “نموذج محاكاة منظمة المرأة العربية”. والمحاكاة ليست اجتماعًا رسميًا بين دول، بل نشاطٌ تدريبي شبابي على غرار “نماذج محاكاة الأمم المتحدة”، يتقمّص فيه المشاركون أدوار وفودٍ لدولٍ ليست دولهم بالضرورة.

وتؤكد هذه الطبيعة تغطياتٌ متعددة للفعالية. فقد أوردت صحيفة “مصراوي” أن المنظمة نظّمت النموذج بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في القاهرة بين 27 و29 يوليو 2026، بمشاركة أكثر من أربعين شابًا وفتاة من سبع دول عربية، موزّعين على مجموعات عمل ضمن جلسات مُدارة. 

 

ووصفت المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة، النموذج في كلمتها الختامية بأنه تجربةٌ لإعداد قيادات شابة عبر ممارسة الحوار والتفاوض وصناعة القرار، لا أكثر، وفق ما نقلته صحيفة “الدستور”. بل إن مرحلته التحضيرية انطلقت افتراضيًا عبر تقنية “زوم”، وهو ما لا يستقيم مع تصوّره لقاءً حكوميًا.

 

ويكفي لتفكيك الادعاء أن نعود إلى حساب المنظِّم نفسه، فنقارن ثلاث مداخلات نشرها لثلاثة “وفود” مختلفة. في “وفد ليبيا” قدّمت المداخلة ميار أبو الحيات (فلسطين) وتسبيح جمال محمود (السودان). وفي “وفد اليمن” قدّمها سعيد حسن (السودان) وآدم قباني (لبنان). أما “وفد مصر”، وهي الدولة المُضيفة والمنظِّمة، فقدّمته صفاء بشناق (لبنان) وابتهاج الزكواني (عُمان). لا سوداني مثّل السودان، ولا لبناني مثّل لبنان، ولا مصري مثّل مصر.

وتكمن المغالطة الجوهرية في أن إسناد دولةٍ إلى مشاركٍ من جنسية أخرى هو صلب آلية المحاكاة، لا واقعة تمثيلٍ رسمي. فالقاعدة التي تظهر في الوفود الثلاثة مطّردة بلا استثناء، حتى مصر — الدولة المُضيفة والمنظِّمة — “مثّلها” غير مصريين. وبمجرد إدراك ذلك تنهار الفرضية التي بُني عليها الاستنكار من أساسها.

والطبقة المضافة هي مكمن الأذى الحقيقي. فالنداء المضاف لا ينبع من واقعة النموذج في شيء، وإنما يركب موجةً قائمة من التحريض على المهاجرين في الفضاء الرقمي الليبي، فيحوّل حدثًا محايدًا إلى وقودٍ لها. 

ويتضاعف هذا الأذى ببعده الجندري؛ إذ توظّف الطبقة نفسها صور مشارِكاتٍ شابات، وتجعل منهنّ ذريعةً لمطلب ترحيلٍ جماعي يطال نساءً سودانيات وفلسطينيات في ليبيا، ليلتقي استهداف النساء بخطاب معاداة المهاجرين في مسارٍ واحد. وهو نمطٌ متكرر في استهداف المهاجرات رقميًا، يكتسب حساسيةً مضاعفة في سياق السياسات المتصلة بأوضاعهنّ في البلاد.

وخلاصة القول إن الحدث حقيقي والمنشورات أصلية، لكن قراءتها بوصفها تمثيلًا رسميًا للدولة الليبية مضلِّلة، وقد وُظّف هذا الخلط لتغذية خطابٍ تحريضي ضد جنسياتٍ بعينها.

WhatsApp
Telegram
Twitter
Facebook

مقالات متشابهة

منشورٌ عن اعتداء جنسي في درنة منسوبٌ زورًا إلى الصحفية ريم البركي

لا بعثة الأمم المتحدة ولا سواها درّبت ليبيات على «الإجهاض الآمن» أو «ترميم البكارة»

تنوّع أصوات النساء أمر طبيعي: تفكيك الحملة التي استهدفت النائبة زهية بن قارة

ماذا جرى في سبها؟ دليل لفهم واقعة الجلد وتصويرها وموقع القانون الليبي منها