هي تتحقق-تفسيري
انتشر مقطع مصوّر يوثّق تنفيذ عقوبة الجلد بحق امرأة في مدينة سبها، فانقسم النقاش العام بين من اعتبره تطبيقاً للقانون والشريعة، ومن اعتبره إهانة وتمييزاً. وبين الموقفين، ضاعت المعلومة الأساسية: ماذا يقول القانون الليبي نفسه عن الطريقة التي يجب أن تُنفَّذ بها هذه العقوبة؟
هذا التقرير لا يناقش ما إذا كان يجب أن توجد عقوبة الجلد في القانون الليبي — فتلك مسألة خلافية لها أطرافها وليست موضوعنا. هو يجيب على سؤال أضيق وقابل للتحقق: هل جرى التنفيذ وفق القانون الذي يستند إليه؟ ونقدّم الأدلة التي تسمح لك بأن تحكم بنفسك.
صورة
ماذا نعرف عن الواقعة؟
الوقائع التالية مؤكدة بمصادر رسمية:
- صدر حكم قضائي عن إحدى دوائر الجنايات بمحكمة استئناف سبها، استناداً إلى القانون رقم 70 لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا.
- نُفّذت عقوبة الجلد بحق امرأة في مكان عام بمدينة سبها، على يد عناصر من جهاز الشرطة القضائية.
- صُوّر التنفيذ وبُثّ على منصات التواصل الاجتماعي، وانتشر على نطاق واسع.
- أصدر المجلس الأعلى للقضاء بياناً أكد فيه وجود الحكم، وقرر تكليف إدارة التفتيش على الهيئات القضائية بالتحقق من ملابسات الواقعة ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لتنفيذ الأحكام.
ولكن ما هو القانون رقم 70 لسنة 1973؟
هو القانون الذي أدخل عقوبة الجلد على جريمة الزنا في التشريع الليبي. صدر عن مجلس قيادة الثورة في أكتوبر 1973، وما زال ساري المفعول حتى اليوم. وأبرز ما ينص عليه:
- الجلد مائة جلدة لمرتكب الجريمة، ويجوز للقاضي أن يضيف إليه الحبس (المادة 2).
- يشترط أن يكون الفاعل عاقلاً، أتم الثامنة عشرة، وقصد ارتكاب الفعل (المادة 2).
- تُعدّ جريمة الزنا جناية (المادة 4).
- لا يجوز إيقاف تنفيذ الحد ولا استبداله ولا تخفيضه ولا العفو عنه (المادة 6).
من هي الجهات المعنية، وما دور كل منها؟
فهم الأدوار ضروري لتحديد أين وقع الخلل ومن يتحمل المسؤولية:
- دائرة الجنايات بمحكمة استئناف سبها: الجهة التي أصدرت الحكم. دورها ينتهي عند النطق به.
- جهاز الشرطة القضائية: جهاز نظامي تابع لوزارة العدل، من مهامه تنفيذ الأحكام والأوامر القضائية. وهو الجهة التي باشرت التنفيذ في سبها — وسلطته محكومة بما يأذن به القانون، لا بما يراه مناسباً.
- النيابة العامة والطبيب المختص: يفرض القانون حضورهما أثناء التنفيذ بوصفهما ضمانة رقابية على انضباطه وعلى سلامة المحكوم عليه.
- المجلس الأعلى للقضاء وإدارة التفتيش على الهيئات القضائية: جهة الرقابة التي فتحت التحقيق في الواقعة.
كيف يجب أن يُنفَّذ حكم الجلد قانوناً؟
حدّدت المادة السابعة من القانون سلسلة إجراءات إلزامية. أي إخلال بأحدها يجعل التنفيذ مخالفاً للقانون:
- أن يصبح الحكم نهائياً — فلا تنفيذ على حكم ما زال قابلاً للطعن.
- إجراء كشف طبي على المحكوم عليه.
- صدور تقرير يقرر انتفاء الخطورة من التنفيذ.
- أن يجري التنفيذ داخل مركز الشرطة.
- أن يحضره عضو النيابة المختص والطبيب المختص.
- أن يُوقَف الجلد كلما كانت فيه خطورة على المحكوم عليه، ويُستكمل في وقت آخر.
- أن تُجلد المرأة جالسةً مستورة الجسم، ويوزَّع الضرب على ظهرها وكتفيها فقط، ولا يتم التنفيذ إلا بحضور طائفة من المسلمين.
لاحظ أن المشرّع لم يكتف بتحديد العقوبة، بل أحاطها بسياج من الضمانات: مكان مغلق، ورقابة قضائية، ورقابة طبية، وحضور محدود. هذا السياج ليس تفصيلاً شكلياً — هو ما يميّز تنفيذ حكم قضائي عن العقاب الاستعراضي.
ما يوجبه القانون في مقابل ما جرى
يلخّص الجدول التالي المقارنة بين النص التشريعي والوقائع المؤكدة:

النتيجة التي يقودك إليها الجدول واضحة: التنفيذ خالف القانون الذي يُحتجّ به لتبريره، في المكان والرقابة والعلانية والتصوير والنشر.
ماذا قالت المؤسسة القضائية ؟
قد يقال إن انتقاد الواقعة يصدر عن جهات حقوقية أو مدنية لها مواقفها. لكن الدليل الأهم في هذا الملف لم يصدر عن أي منها، بل عن الجهة القضائية العليا.
فقد أكد المجلس الأعلى للقضاء، في بيانه بشأن تداول المقاطع المصورة، أن تنفيذ الأحكام يجب أن يتم وفق الضوابط التي كفلها القانون وبما يحفظ كرامة الإنسان، وقرر أن تصوير تنفيذ الأحكام ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس من مقتضيات تنفيذها ولا من مقاصد الشريعة. ثم أهاب بالجهات المختصة الالتزام بالضوابط القانونية والامتناع عن تصوير إجراءات التنفيذ أو نشرها، وأحال الواقعة إلى التفتيش القضائي.
لماذا هذا البيان حاسم؟
لأن الجهة التي تملك تفسير القانون وتطبيقه لم تدافع عن الطريقة التي نُفّذ بها الحكم، بل فتحت تحقيقاً فيها. وقررت صراحة أن التصوير والنشر ليسا من مقتضيات التنفيذ ولا من مقاصد الشريعة — أي أنها نزعت عن هذا الفعل تحديداً غطاءه القانوني والديني معاً.
لماذا يُعدّ التصوير والنشر فعلاً غير قانوني؟
هناك قاعدة أساسية في عمل أجهزة الدولة: الجهة التنفيذية لا تملك إلا ما أذن لها به القانون صراحة. فالمواطن يجوز له ما لم يُمنع، أما السلطة فلا يجوز لها إلا ما أُذن به.
وبالرجوع إلى القانون رقم 70 لسنة 1973 من أوله إلى آخره، لا نجد نصاً واحداً يجيز تصوير تنفيذ عقوبة الجلد، أو توثيقه بالصوت والصورة، أو نشره في الصحف أو وسائل الإعلام أو منصات التواصل. الغياب هنا ليس فراغاً يملؤه الاجتهاد، بل هو انعدام سلطة.
ومن ثمّ، فإن التصوير والبث لا يستمدان أي شرعية من الحكم القضائي. الحكم قضى بمائة جلدة في مكان محدد، ولم يقضِ بالعلانية ولا بالنشر. فمن صوّر ونشر لم ينفّذ الحكم، بل أضاف إليه عقوبة لم ينطق بها قاضٍ ولا يملك أي قاضٍ في ليبيا أن ينطق بها.
فارق جوهري: عقوبة تنتهي، وعقوبة لا تنتهي
العقوبة التي قضى بها الحكم محدودة زمنياً: مائة جلدة، تنتهي حين تنتهي. أما ما أضافه التصوير فغير محدود: المقطع يبقى على الشبكة، ويُعاد تداوله، ويلاحق صاحبته كلما بُحث عن اسمها، ويمتد أثره إلى أسرتها. وحتى إن غُطّي الوجه، تبقى المرأة معروفة في محيطها المباشر عبر المكان والسياق والتفاصيل.
كيف تثبت هذه الجريمة أصلاً؟
انشغل الرأي العام بمشهد التنفيذ، وتجاوز سؤالاً سابقاً عليه: على أي دليل قامت الإدانة؟
تنص المادة السادسة مكرر على أن جريمة الزنا تثبت بأحد ثلاثة طرق: اعتراف الجاني، أو شهادة أربعة شهود، أو أية وسيلة إثبات علمية — وقد أُضيف الطريق الثالث لاحقاً بموجب القانون رقم 10 لسنة 1998.
واشتراط أربعة شهود على الفعل ذاته شرط شبه مستحيل التحقق، وهو موضوع عمداً ليجعل إقامة هذا الحد نادرة استثنائية لا إجراءً معتاداً. أما إضافة «أية وسيلة إثبات علمية» فقد فتحت باباً أوسع بكثير، وهو باب لا يقع أثره على الطرفين بالتساوي: الحمل والفحص الطبي يتركان أثراً على جسد المرأة وحدها، بينما لا يترك الطرف الآخر أثراً مماثلاً.
ولأن منطوق الحكم وحيثياته لم تُنشر، فإن أحداً ممن تداولوا المقطع — تأييداً أو استنكاراً — لا يعرف على أي دليل استندت الإدانة. أي أن من يمنح الواقعة صفة «الشرعية» يمنحها لملفٍّ لم يطّلع عليه.
الخلاصة
ما جرى في سبها ليس خلافاً بين مؤيد للشريعة ومعارض لها. بلغة القانون الليبي الصريحة، جرى تنفيذ حكم خارج الضوابط التي فرضها القانون نفسه: في المكان الخطأ، دون الرقابة التي يوجبها النص، أمام جمهور لم يأذن به المشرّع.
ثم أُضيف إلى ذلك فعل مستقل تماماً — التصوير والبث — لا يستند إلى أي نص في أي تشريع ليبي، وقد أعلن المجلس الأعلى للقضاء نفسه أنه ليس من مقتضيات التنفيذ ولا من مقاصد الشريعة.
الاحتجاج بالقانون يلزم صاحبه بالقانون كاملاً. ومن يستشهد بالمادة الثانية ملزَم بالمادة السابعة. أما إضفاء صبغة شرعية أو قانونية على تنفيذٍ خالف الشرط القانوني، فهو استخدام للنص لا التزام به.