عقب أول ظهور إعلامي للنائبة الجزائرية زهية بن قارة بعد انتخابها لعضوية البرلمان عن حركة مجتمع السلم، انتقل التفاعل على منصات التواصل من مساءلة أدائها السياسي إلى استهداف مظهرها ونبرة صوتها، ثم إلى ادعاء صريح بأنها ليست امرأة.
وفي هذا السياق، انتشرت صور ومقاطع معدَّلة تُظهر النائبة في هيئة رجل ودون حجاب، وصور أخرى أُضيفت إليها لحية، رافقتها عناوين من قبيل «فضيحة في البرلمان الجزائري 2026» ونصوص تزعم أن «رئيس بلدية ومدير ثانوية في الجزائر يتحوّل إلى برلمانية تدعى زهية بن قارة».
دقّق فريق «هي تتحقق» في المادة البصرية المتداولة، وفي الافتراض العلمي الذي بُني عليه الادعاء.
الوجه نفسه، بلحية وبدونها
قارن الفريق بين أربعة مقاطع متداولة تعرض النائبة في الظهور الإعلامي نفسه. وجاءت النتيجة فاصلة: المشهد واحد، والملابس واحدة، والخلفية واحدة — لكن الوجه يختلف.
في المقاطع المعدَّلة يظهر تظليل داكن كثيف حول الذقن ومحيط الفم وأعلى الشفة، بينما تخلو الإطارات التي وصلنا لها — من الحدث نفسه وبالإضاءة نفسها — من أي أثر لهذا التظليل. ولا يمكن تفسير فارق بهذا الحجم بجودة التصوير أو زاوية الإضاءة، إذ يقتصر الاختلاف على منطقة اللحية وحدها دون بقية ملامح الوجه أو الرقبة، وهو النمط المميّز للتعديل الرقمي الموضعي أو لمُرشِّحات (فلاتر) تبديل الملامح المتاحة عبر عدة تطبيقات.
صورة نلتقطة من


المقطع الأصلي الذي تم أخذ الصور منه

صور النائبة «في هيئة رجل» صور معدَّلة
إلى جانب مقاطع اللحية، جرى تداول صور تُظهر النائبة في هيئة رجل ودون حجاب ويمكن إيجادها هنا وهنا ، قُدِّمت بوصفها «الصورة الحقيقية» لها قبل ظهورها البرلماني، وبُني عليها ادعاء مفاده أنها في الأصل رجل يشغل منصب رئيس بلدية ومدير ثانوية.


هذه الصور معدَّلة. فهي مشتقّة من مادة مصوّرة سابقة تظهر فيها النائبة ويمكن إيجادها هنا ، وقد أُخضعت لتغيير رقمي طال الملامح وغطاء الرأس معاً، بينما تظلّ الخلفية وزاوية التصوير وتفاصيل المشهد مطابقة للأصل — وهو ما لا يحدث لو كانت صوراً مستقلة لشخص آخر أو للنائبة في مرحلة سابقة.

ولا يقدّم مروّجو هذه الصور أي مصدر أصلي لها: لا تسجيلاً كاملاً، ولا تقريراً إعلامياً، ولا وثيقة رسمية تدعم رواية «رئيس البلدية». المادة كلها معاد تدويرها من المقطع نفسه، والزعم مبني على نسخة مُعدَّلة منه لا على أصل.
معلقون يهاجمون النائبة عبر حسابها
في السياق نفسه نشرت النائبة زهية بن قارة على حسابها مقطعاً لمداخلة سياسية لها، فتحوّل قسم الأداء والمضمون إلى محاكمة لصوتها وملامحها. رصد فريق «هي تتحقق» أكثر من 24,292 تعليقاً على المنشور، تكشف قراءتها أنماطاً متكررة:
التشكيك المباشر في كونها امرأة، وهو النمط الأكثر تفاعلاً. تصدّرها تعليق حصد 4,248 إعجاباً يقول «الجزائر بلد الرجال.. حتى النساء رجال»، وآخر يسأل «هل الجزائر فرضت الحجاب على الرجال؟؟؟» بـ1,381 إعجاباً و142 رداً، وثالث يقول «والله مافهمت اخوتي كيفاش هي هو».
استهداف الصوت تحديداً، بتعليقات من قبيل «الصوت من وين» (194 إعجاباً) و«ذرك نصدق عيني ولا وذني» (19.5 ألف إعجاب) و«عندي مشكلة في سمعي وفي نظري» (16.3 ألف إعجاب) — أي أن نبرة صوتها قُدِّمت بوصفها معطى يستحيل تصديقه.
الربط بقضية إيمان خليف، إذ استدعى معلّقون صورة الملاكمة الجزائرية التي خضعت لحملة تشكيك دولية في جنسها عام 2024، بتعليقات مثل «هاذي أم إيمان خليف» (111 إعجاباً) وصورة لخليف مرفقة بعبارة «من الممكن أن تكون والدتها» (268 إعجاباً). وهو مؤشر على أن التشكيك في جنس النساء البارزات صار قالباً جاهزاً يُعاد تدويره في المنطقة.
تشخيصات طبية مُختلقة، جاءت هذه المرة من مدافعين عنها، من قبيل أن لديها «ورماً على المبيض وورماً على الغدة الكظرية سبّبا لها مشكلاً في الهرمونات» — وهو ادعاء لا يستند إلى أي مصدر طبي، ويشترك مع الادعاء المضاد في المنطق نفسه: أن جسد المرأة لغزٌ يستدعي تفسيراً.
سخرية عابرة للحدود، إذ حملت التعليقات مؤشرات من الجزائر والمغرب وتونس والسعودية وليبيا، وبعضها بالفرنسية، مع تعليقات من قبيل «نمشي نجيب مغاربة ونجي» (337 إعجاباً).





والملاحظة الجامعة أن جميع هذه التعليقات لم تناقش جملة واحدة مما قالته النائبة في مداخلتها.
هل يمكن تحديد جنس الشخص من نبرة صوته؟
يستند الادعاء كله إلى افتراض ضمني مفاده أن ملامح المرأة وصوتها يمكن أن تكشف «حقيقة» جنسها. وهذا الافتراض اختبره باحثون تحديداً في دراسة نُشرت في Journal of the Acoustical Society of America، إذ استمع مشاركون إلى تسجيلات لعشرة متحدثين ذكور وعشر متحدثات إناث، وطُلب منهم تحديد جنس كل متحدث اعتماداً على الصوت وحده.
جاءت النتائج حاسمة: تداخل مديات التردد الصوتي بين الرجال والنساء يقوّض هذه الأحكام من أساسها. فحين قُدِّمت أصوات متقاربة في التردد، لم تتجاوز دقّة المستمعين 63.3٪ — أي أقرب إلى التخمين منها إلى التمييز الموثوق. والأهم أن الباحثين رصدوا انحيازاً واضحاً: يميل المستمعون إلى سماع الصوت المنخفض على أنه «ذكر» والمرتفع على أنه «أنثى»، وهو انحياز مصدره صور نمطية مسبقة لا معطى صوتي فعلي.
الدراسة: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/21110605/
بعبارة أدق: ما مارسه المعلّقون على النائبة ليس «ملاحظة»، بل هو بالضبط الانحياز الإدراكي الذي وثّقته الدراسة — إسقاط قالب نمطي على صوت لا يطابقه.
مدى أصوات النساء أوسع مما يفترضه المتنمرون
تُقاس نبرة الصوت بالتردد الأساسي (Fundamental Frequency – F0)، أي معدل ذبذبة الأحبال الصوتية، ويُحسب بالهرتز.
ووفق المركز الوطني للصوت والكلام (NCVS)، تتحدث النساء البالغات عند نحو 200 هرتز في المتوسط، بينما يتحدث الرجال البالغون عند نحو 125 هرتز.
وتضع دراسة منشورة في مجلة Journal of Voice، مبنية على مراجعة الأدبيات العلمية، متوسط النساء عند 200 إلى 220 هرتز ومتوسط الرجال عند 100 إلى 120 هرتز.
لكن المتوسط ليس حدّاً فاصلاً. فوفق مراجعة علمية نشرتها مجلة Personality and Individual Differences، يتوزع التردد الأساسي على مدى يمتد من 150 إلى 300 هرتز لدى النساء، ومن 75 إلى 150 هرتز لدى الرجال — أي أن ثمة منطقة تداخل فعلية بين المجموعتين، لا خطّاً حاسماً يفصل بينهما.
ويتّسع هذا المدى أكثر عند احتساب التباين اللغوي. فقد رصدت المراجعة نفسها أن متوسط التردد لدى النساء يتراوح بين 182.3 هرتز للناطقات بالإنجليزية و297.4 هرتز للناطقات بالصينية — أي فارق يتجاوز 115 هرتز بين مجموعتين، جميع أفرادها نساء. وهو فارق يفوق بكثير ما قد يميّز صوت النائبة عن المتوسط الذي يقيس عليه المعلّقون.
ويتأثر التردد الأساسي بعوامل طبيعية تماماً، من بينها حجم الجهاز الصوتي والعمر والتغيرات الفسيولوجية، وفق المركز الوطني للصوت والكلام.
كما يوثّق بحث منشور في دورية PLOS ONE أن انخفاض التردد لدى الرجال بنحو النصف مقارنة بالنساء يعود إلى نمو غضاريف الحنجرة المرتبط بالتستوستيرون خلال البلوغ، وما يصاحبه من استطالة الأحبال الصوتية — أي أن الفارق نتاج عملية هرمونية طبيعية لا معيار هوية.
بل إن ثمة معطى يقوّض منطق «الصوت الغليظ شذوذ» من جذوره: أصوات النساء صارت أعمق عبر الأجيال. فقد قارنت دراسة أسترالية لباحثيها Pemberton وMcCormack وRussell، نُشرت في Journal of Voice عام 1998، تسجيلات أرشيفية لنساء بين 18 و25 عاماً من عام 1945 بتسجيلات لنساء في الفئة العمرية نفسها عام 1993، وخلصت إلى أن نساء الجيل الأحدث لديهنّ أصوات أعمق بدلالة إحصائية.
أي أن المعيار الذي يقيس عليه المعلّقون «الأنوثة» معيار متحرك لا ثابت.
ادعاءات لا تصمد هي الأخرى
في مقابل حملة التشكيك، انتشرت في التعليقات روايات «دفاعية» تنسب إلى النائبة حالات مرضية محددة، من بينها ادعاء بأن لديها «ورماً على المبيض وورماً على الغدة الكظرية سبّبا لها مشكلاً في الهرمونات».

ويسجّل الفريق أن هذا الادعاء، رغم نيّة أصحابه الحسنة، لا يقوم على أي مصدر طبي أو تشخيص معلن، وهو من حيث المعايير المهنية ادعاء غير متحقَّق منه تماماً كالادعاء الأول.
وتبعاً لذلك، لا تقدّم «هي تتحقق» أي تفسير طبي لحالة النائبة ولا تنسب إليها أي حالة صحية. كما أن الردّ العلمي الوارد أعلاه يفنّد الادعاء من حيث صحته المعلوماتية، ولا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إقراراً بشرعية السؤال: فمظهر أي امرأة وصوتها ليسا موضوعاً للفحص العام ولا يستوجبان تبريراً.
الخلاصة
الادعاء بأن النائبة الجزائرية زهية بن قارة ليست امرأة ادعاء يستند إلى محتوى بصري معدَّل. فالمقاطع التي رُوّج لها «كدليل» أُضيفت إليها لحية رقمياً، بدليل وجود مقاطع من المشهد نفسه تخلو تماماً من أي أثر لشعر الوجه. أمّا الصور التي تُظهرها «في هيئة رجل ودون حجاب» فهي مشتقّة من المادة المصوّرة ذاتها بعد تعديل الملامح وغطاء الرأس، ولا يسندها أي مصدر أصلي.
وحتى الافتراض الكامن خلف الحملة — أن الصوت والملامح تكشف جنس الشخص — تدحضه الأدلة العلمية: نبرة الصوت ليست مؤشراً موثوقاً، ومديات أصوات النساء متداخلة ومتّسعة وقابلة للتغير بفعل العمر واللغة والهرمونات الطبيعية، بل إنها صارت أعمق عبر الأجيال.
ما جرى ليس كشفاً عن حقيقة مخفية، بل صناعة صورة مزوّرة ثم محاكمة امرأة على أساسها.