بدرة دبابي-هي تتحقق
نشر مجلس علماء ليبيا مقطع فيديو هاجم فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، مدعيًا أنها نسقت أو رتبت جلسةً تدريبية استهدفت ليبيات حول “الإجهاض الآمن” و”ترميم غشاء البكارة”.
وحظي الفيديو المتداول بتفاعل واسع، تجاوز 7 آلاف إعجاب وأكثر من ألف مشاركة، ويمكنكم الاطلاع على الفيديو هنا.

لقطة شاشة للادعاء أخذت بتاريخ 10.8.2026
وتزامن تداول هذا الادعاء مع انتشار منشورات أخرى نسبت إلى “منظمات دولية” تنظيم دورات تدريبية حول الموضوع نفسه، من دون تحديد أسماء هذه المنظمات. ويمكن الاطلاع على هذه المنشورات هنا و هنا.

لقطة شاشة للادعاء مأخوذة بتاريخ 10.8.2026
القيادة وحقوق الإنسان لا «الإجهاض»: ما توثّقه مواد البعثة
وللتحقق من الادعاء المنسوب إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، راجعنا المواد المنشورة على الموقع الرسمي للبعثة، إلى جانب استخدام محرك البحث الداخلي للموقع والبحث بمجموعة من الكلمات المفتاحية المرتبطة مباشرة بالادعاء، باللغتين العربية والإنجليزية، من بينها: safe abortion, abortion, hymen, hymen repair, reproductive health, sexual and reproductive health، إضافة إلى “الإجهاض الآمن” و”ترميم/ترقيع غشاء البكارة”.
وأظهر البحث أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا شاركت على مدى سنوات، في تنظيم أو دعم عدد من التدريبات والبرامج الموجهة إلى النساء الليبيات، إلا أن موضوعاتها الموثقة تختلف عن الموضوع الوارد في الادعاء المتداول.
من بين هذه الأنشطة، نظمت البعثة بالتعاون مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) في ديسمبر/كانون الأول 2019 تدريبًا استمر ثلاثة أيام واستهدف 15 ناشطة ليبية، وركز على إدماج المنظور الجندري في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، إلى جانب قضايا المساواة بين الجنسين والعنف القائم على النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان. ويمكنكم إيجاد منشور التدريب هنا.
كما أطلقت الأمم المتحدة في ليبيا برنامج رائدات Ra’idat، وهو برنامج تدريبي سنوي موجه إلى الشابات الليبيات من مختلف أنحاء البلاد. وتشير الصفحة الرسمية للبرنامج إلى أنه يهدف إلى تطوير قدرات المشاركات وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة والقيادة، وهو برنامج تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتعاون مع عدد من وكالات الأمم المتحدة. وفي يوليو/تموز 2026، فُتح باب التقديم للدفعة الرابعة من البرنامج.
يتناول برنامج “رائدات” موضوعات مرتبطة بالقيادة والمشاركة السياسية والمدنية وحقوق الإنسان والعمل العام، ولم نجد ضمن المواد الرسمية التي راجعناها ما يشير إلى تقديم تدريب حول الإجهاض الآمن أو ترميم/ترقيع غشاء البكارة.
كما وجدنا على موقع البعثة مادة منشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2016 حول تدريب مدربين على الولادة الآمنة (Safe Delivery) في ليبيا.
إلا أن المادة نفسها توضح أنه نشاط تابع لصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، وليس تدريبًا نظمته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حول الإجهاض الآمن. وكان التدريب مرتبطًا بتحسين خدمات رعاية الأم والولادة، وشارك فيه مختصون في أمراض النساء والتوليد والقبالة. ويمكنكم إيجاد منشور التدريب هنا.
كذلك، نشرت البعثة في أبريل/نيسان 2017 مادة حول ورشة إعداد الإستراتيجية الوطنية للصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال والمراهقين في ليبيا. وتوضح المادة أن الورشة نظمتها جهات من منظومة الأمم المتحدة، من بينها صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، بالتعاون مع وزارة الصحة الليبية. ولم تتضمن المادة ما يشير إلى أن موضوع الورشة كان الإجهاض الآمن أو ترميم غشاء البكارة. ويمكنكم إيجاد المنشور هنا.
وبناءً على مراجعة كل هذه المواد والبحث بالكلمات المفتاحية المرتبطة بالادعاء، لم نعثر في أرشيف الموقع الرسمي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على مادة توثق تنظيمها أو دعمها لدورة تدريبية حول “الإجهاض الآمن” أو “ترميم/ترقيع غشاء البكارة”. كما لم نجد ضمن التدريبات الموثقة للنساء الليبيات نشاطًا يتطابق مع الموضوع المذكور في الادعاء.
كما أن صفحة “UN in Libya” على موقع UNSMIL تميز بوضوح بين أدوار وكالات الأمم المتحدة.
وتذكر أن UNFPA هي الجهة التي تعمل في ليبيا في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، بما يشمل دعم النظام الصحي، وبناء قدرات العاملين الصحيين، وخدمات الصحة الإنجابية، بينما تعمل UNSMIL أساسًا في المسار السياسي، ودعم المصالحة، والمشاركة السياسية، والمرأة والسلام والأمن.

لقطة شاشة مأخوذة من الموقع الرسمي لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا بتاريخ 10.8.2026
نفيٌ صريح وتوضيحٌ لإطار الولاية
وللحصول على موقف رسمي من الجهة التي نسب إليها الادعاء، تواصلنا مع فريق التواصل والإعلام ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، وطرحنا عليه أسئلة محددة حول ما إذا كانت البعثة قد نظمت أو موّلت أو دعمت أو سهّلت، داخل ليبيا أو خارجها، أي تدريبات للنساء الليبيات حول الإجهاض الآمن أو ترميم/إعادة بناء غشاء البكارة.
وفي رده، نفى فريق التواصل والإعلام في البعثة تنظيم أو تمويل أو دعم أو تسهيل أي تدريب حول الإجهاض الآمن، كما نفى الأمر نفسه فيما يتعلق بأي تدريب حول ترميم أو إعادة بناء غشاء البكارة.
وأوضحت البعثة أن جميع التدريبات وورش العمل التي تنظمها أو تمولها أو تدعمها أو تسهّلها، داخل ليبيا أو خارجها، تُنفذ بما يتماشى مع ولايتها المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن، وتركز على دعم عملية سياسية شاملة وبناء قدرات المجتمع الليبي على المشاركة فيها، بما في ذلك ضمان مشاركة النساء مشاركة كاملة ومتساوية وفعالة وذات معنى وآمنة في الأنشطة وصنع القرار المرتبطين بالانتقال الديمقراطي وجهود المصالحة.
وأشارت البعثة إلى أن ولايتها الحالية جُددت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2796 الصادر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأن عملها في مجال تمكين النساء يتركز، من بين أمور أخرى، على دعم مشاركتهن في العملية السياسية والمؤسسات العامة. واستشهدت البعثة ببرامج وأنشطة منشورة على موقعها، من بينها تجمع النساء الليبيات (Libyan Women’s Caucus) وبرنامج رائدات Ra’idat المخصص لدعم مشاركة الشابات في مجتمعاتهن.
كما نفت البعثة تنظيم أو تسهيل سفر أي نساء ليبيات إلى فنلندا في إطار مثل هذه الأنشطة. وأوضحت في المقابل أنها دعمت اجتماعات في تونس شارك فيها رجال ونساء ليبيون وتناولت العملية السياسية والأمن وحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن لديها مكتبًا في تونس يستضيف بانتظام اجتماعات وأنشطة مختلفة.
وفيما يتعلق بإمكانية وجود توثيق سابق للأنشطة المزعومة، قالت البعثة إنها تنشر بانتظام تحديثات عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي حول التدريبات التي تجري في ليبيا وتونس، كما تنشر العديد من هذه الأنشطة في صورة أخبار على موقعها الرسمي. وبشأن احتمال حذف أو أرشفة مواد سابقة تتعلق بهذه الأنشطة، أكدت البعثة: “لم نحذف أو نؤرشف أي محتوى سبق نشره”.

لقطة شاشة لرد بعثة الأمم المتحدة بتاريخ 13.8.2026
هل تُوثِّق أي جهة دولية في ليبيا تدريبًا للنساء حول «الإجهاض الآمن» أو «ترميم البكارة»؟
لمّا نسبت بعض المنشورات المتداولة تنظيم هذه التدريبات إلى «منظمات دولية» دون تسمية جهةٍ بعينها, وسّعنا نطاق المراجعة ليشمل عددًا من أبرز الجهات الدولية العاملة في ليبيا: وكالاتٍ أممية هي صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، إضافةً إلى وكالة التعاون الألماني (GIZ). وركّزنا في كل جهة على أنشطتها الموجّهة إلى النساء والفتيات، باحثين بالكلمات المفتاحية ذاتها المرتبطة بالادعاء بالعربية والإنجليزية: safe abortion, abortion, hymen, hymen repair, reproductive health, sexual and reproductive health، و«الإجهاض الآمن» و«ترميم/ترقيع غشاء البكارة».
صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)
يُعدّ الصندوق الجهة الأممية الأوثق صلةً بالصحة الجنسية والإنجابية في ليبيا؛ إذ تمتد برامجه إلى الصحة الجنسية والإنجابية وحقوقها، ودعم خدمات الرعاية الصحية للنساء والفتيات، والمساواة بين الجنسين، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي. وأظهر بحثنا أن له بالفعل أنشطة وتدريبات موجّهة إلى النساء والفتيات، من بينها مراكز المساحات الآمنة (Women and Girls Safe Spaces) التي تقدّم الدعم النفسي والاجتماعي والتوعية، إلى جانب تدريبات على المهارات الحياتية والمهنية. وذكر الصندوق في أحد بياناته أن برامجه في ليبيا شملت تدريب 3,679 شابًا وشابة، بينهم 2,449 أنثى، على المهارات الحياتية والمهنية، فضلًا عن بناء قدرات أكثر من 860 من العاملين في الرعاية الصحية. غير أن أيًّا من هذه المواد لم يتضمّن تدريبًا لليبيات حول «ترميم/ترقيع غشاء البكارة»، ولا نشاطًا يطابق ما ورد في الادعاء بشأن «الإجهاض الآمن».
هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)
تنصبّ أنشطة الهيئة في ليبيا على تمكين النساء، والقيادة والمشاركة السياسية، والمساواة بين الجنسين، والسلام والأمن، ومناهضة العنف ضد النساء، وبناء قدرات المؤسسات والشركاء. ويتّضح ذلك في مشاركتها ببرنامج «رائدات» الذي تقوده البعثة، والموجَّه إلى تطوير مهارات الشابات في القيادة والتواصل والمناصرة، وتعريفهن بحقوق الإنسان والانتخابات والحقوق القانونية للنساء. ولم نعثر في موادها الرسمية على أي تدريب حول «الإجهاض الآمن» أو «ترميم/ترقيع غشاء البكارة».
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)
راجعنا كذلك ما نشرته المنظمتان في ليبيا، بما فيه برامجهما الموجّهة إلى النساء والشابات، وتظهران شريكتين في برنامج «رائدات» إلى جانب UNSMIL وUN Women. ولم تُظهر موادهما المتاحة أي تدريب نسائي يطابق موضوعَي الادعاء، ولا نشاطًا مماثلًا في مجال الصحة الجنسية والإنجابية.
وكالة التعاون الألماني (GIZ)
تعمل الوكالة على تعزيز خدمات الرعاية التوليدية الطارئة، ودعم النظام الصحي، وصحة الأم والوليد في ليبيا. ومع ذلك، لم تُظهر موادها الرسمية المتاحة تدريبًا للنساء حول «ترميم/ترقيع غشاء البكارة» أو «الإجهاض الآمن».
منظمة الصحة العالمية (WHO)
هنا يلزم تمييزٌ دقيق. فالمنظمة سبق أن نظّمت ورشًا وتدريبات في الصحة الإنجابية وصحة الأم، من بينها ورشة وطنية عام 2019 حضرها نحو 40 مشاركًا من واضعي سياسات الصحة الإنجابية ومديري البرامج ومقدّمي الرعاية، عُرضت فيها أحدث إرشادات المنظمة بشأن الرعاية قبل الحمل وتنظيم الأسرة والرعاية أثناء الولادة.
وصحيحٌ أن المنظمة تُدرج «الإجهاض الآمن» والرعاية بعد الإجهاض ضمن مكوّنات حزمة الصحة الجنسية والإنجابية على مستوى إرشاداتها العالمية (دليل رعاية الإجهاض 2022.
لكن هذا إطارٌ معرفيّ وسياساتيّ عام، لا يعني ولا يوثّق تنظيم تدريبٍ لليبيات على هذا الموضوع تحديدًا، وهو ما لم نجد له أثرًا.
أما في الشقّ المتعلق بالبكارة، فموقف المنظمة يسير في الاتجاه المضادّ للادعاء لا في اتجاهه: إذ تؤكد أن مظهر غشاء البكارة لا يمكن أن يثبت ممارسة المرأة للجنس من عدمها، وتَعُدّ ما يُسمّى «اختبارات العذرية» ممارسةً بلا أساس علميّ.
هل يُمكن أصلًا «تدريب» مدنيّات غير متخصّصات على هذين الموضوعين؟
يستدعي الادعاء وقفةً أخيرة عند طبيعة ما نُسب إليه «التدريب»، إذ لا ينتمي شقّاه إلى الفئة ذاتها.
فـ«الإجهاض الآمن» إطارٌ صحّي عام، وله بُعدٌ معلوماتيّ وتوعويّ يمكن أن يصل إلى غير المتخصّصات؛ إذ يُقرّ دليل منظمة الصحة العالمية لعام 2022 بالإدارة الذاتية للإجهاض الدوائي وما يرافقها من مشورة ومعلومات. أي أن وجود أنشطة توعوية حول هذا المجال أمرٌ قائمٌ في السياق الصحي الدولي — وإن لم نعثر على ما يوثّق نشاطًا كهذا موجَّهًا إلى الليبيات من الجهات التي راجعناها.
أما «ترميم/ترقيع غشاء البكارة» فمسألةٌ مغايرة تمامًا: فهو إجراء جراحيّ يُجرى في منشأة طبية على يد جرّاح مختصّ، لا موضوعٌ يُلقَّن لنساءٍ غير متخصّصات في دورة تدريبية. وتدريبُ مدنيّاتٍ عليه بوصفه مهارةً تُكتسب أمرٌ غير متماسكٍ من أساسه. والأبعد من ذلك أن الجهات الدولية التي يلمّح الادعاء إلى ضلوعها تتبنّى موقفًا مناقضًا للمنظومة التي يخدمها هذا الإجراء، كما مرّ في موقف منظمة الصحة العالمية من «اختبارات العذرية».
وبناءً على ما تقدّم، لم نعثر — بعد مراجعة المواقع والمواد الرسمية للجهات كافّةً — على ما يوثّق تنظيم أو تمويل أو دعم دورةٍ تدريبية لليبيات حول «الإجهاض الآمن» أو «ترميم/ترقيع غشاء البكارة»، فيما نفت بعثة الأمم المتحدة (UNSMIL) ذلك نفيًا صريحًا داخل ليبيا وخارجها.
يُضاف إلى ذلك أن جمع الادعاء بين موضوعٍ له امتدادٌ توعويّ ممكن وآخر لا يعدو كونه عمليةً جراحية، في إطار «تدريبٍ» واحدٍ موجَّه للنساء، يكشف تهافتًا في بنيته.
وعليه فإن الادعاء المتداول زائف.