حميدة علي-هي تتحقق
أثار تصريح المؤثرة الليبية نسمة الشريف الجدل حول حرية تنقل النساء و السفر في ليبيا، حيث شاركت المؤثرة مقطع فيديو عبر حسابها على فيسبوك، بتاريخ 30 أغسطس 2026، تحدثت فيه عن إجراء يُطلب من بعض النساء في مطار بنينة الدولي، يتمثل في الحصول على إذن ولي الأمر للسماح لهن بالسفر. وطالبت الشريف في الفيديو بمراجعة هذا الإجراء، مشيرة إلى أنه قد يحول دون سفر بعض النساء.
وتبع موقف المؤثرة نسمة الشريف جدلٌ واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تخللته منشورات أعادت تداول شهادتها في سياقات تحريضية، وربطت قضية سفر النساء بالهوية الليبية واستغلال المنظمات الأجنبية، يمكن الاطلاع على هذه المنشورات هنا و هنا.
الإطار القانوني لسفر النساء في ليبيا:
وفقًا للإعلان الدستوري، الصادر عن المجلس الانتقالي الليبي، في أغسطس من العام 2011م، والذي ينظم مبادئ الدولة الأساسية، ممثلةً في الحقوق والحريات العامة، حيث أقرّ الإعلان الدستوري في المادة (14)، حرية التنقل لكل المواطنين، كما أكدت مادته السادسة، على المساواة بين الليبيين، “لا تمييز بينهم بسبب الدِّين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسرى”.
كما أُلغي في عام 2007 شرط بلوغ المرأة الليبية سن الأربعين للسفر دون محرم، بعد أن كان هذا الشرط إجراءً تنظيميًا مؤقتًا يقيّد سفر النساء بمفردهن قبل بلوغهن هذا السن، وذلك بموجب قرار صادر عن اللجنة الشعبية العامة.
توضح “رواية الجورني”، عضو هيئة تدريس بكلية العلوم الشرعية – جامعة طرابلس، الخلفية القانونية لهذه القضية، إذ تُفصّل “الفرق بين الفتاة التي لم تبلغ سن 18 عاما والفتاة التي بلغت 18 عاما ، “من الناحية القانونية، وطبقًا للتشريعات الليبية، الفتاة التي لم تبلغ سن 18 عاما ، تعد تحت وصاية والدها ووالدتها طالما، كانا قيد الحياة بصفتهما، أولياء أمر لها”، هذا يفرض، بحسب “الجورني”، ضرورة مرافقة أحدهما، سواءً الأب أم الأم، كما يمكن سفرها مع شخص مؤتمن، بشرط الحصول على إذن أحدهما.
وتؤكد “الجورني”، على عدم وجود، نص في الإعلان الدستوري الليبي أو القوانين واللوائح الليبية، يمنع سفر أي فتاة قد بلغت سن 18 عاما لوحدها، دون وجوب مرافقة أحد محارمها، ، فيما يبقى موضوع المحرم، أمر ذا طبيعة دينية وعرفية، “حيث جرت العادة على ضرورة أن يرافق أحد أفراد الأسرة المرأة أثناء سفرها خوفا عليها”.
ورغم وضوح المبدأ التشريعي والغاء شرط بلوغ سن الأربعين، يظل مجال التطبيق العملي محل تفاوت في التفسير والتنفيذ داخل بعض المنافذ والجهات الإدارية. وفي هذا السياق، يطرح قانونيون تساؤلات حول مدى اتساق بعض الإجراءات الميدانية مع النصوص القانونية المنظمة لحرية التنقل، وحول الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية للإدارة والتقييد غير المنصوص عليه قانونا.
ماذا يحدث في المنافذ؟
رغم غياب نصوص قانونية صريحة تفرض قيودا على سفر النساء، تشير شهادات متكررة إلى وجود ممارسات غير موحدة داخل بعض المنافذ الجوية والبرية في ليبيا، تختلف من حالة إلى أخرى ومن موقع إلى آخر.
وفي هذا السياق أفادت الصحفية “ريما الفلاني” في تصريح لمنصة “شريكة ولكن” بأن هذا الإجراء ينفذ بطريقة شفوية ولا يوجد قرار مكتوب يمكن الاستناد له. كما يخضع الإجراء لتقدير العاملين بالمنافذ، قائلةً: “لا يُطبّق هذا الإجراء على جميع النساء، وإنما تحدث حالات فردية في مطاري بنينا ومصراتة، ويستخدمه رجال الأمن حسب مزاجهم”.
كما تشير الافادات أن بعض النساء يواجهن إجراءات إضافية عند السفر بمفردهن، مثل طلب موافقات غير منصوص عليها قانونا، أو توجيه استفسارات تتعلق بسبب السفر أو الجهة المستقبلة، وفي بعض الحالات تأخير أو منع مؤقت دون تقديم مبررات قانونية واضحة.
و ترى الصحفية الحقوقية و الباحثة في علوم الاعلام و الاتصال “سلمى مسعود”، عدم إرتباط هذا الإجراء، بسن الفتاة، قائلةً: “من خلال متابعتي واهتمامي بالقضية، لا أعتقد أن طلب إذن ولي الأمر مرتبط بعمر محدد”، لأن جُلّ الحالات التي اطلعت عليها شملت نساء بالغات ومن أعمار وحالات اجتماعية مختلفة، وحتى فتيات بالغات كنّ برفقة الوالدة، وقد تم وتعطيل سفرهنّ لعدم وجود تصريح من ولي الأمر.
وتؤكد، بأن الإجراء نفسه لا يُطبق على جميع النساء؛ “فهناك من تسافر دون أن تُسأل، وأخرى تُسأل عن ولي أمرها، وقد يصل الأمر مع غيرها إلى تعطيل السفر”، لذلك ما يظهر بوضوح هو أن التطبيق انتقائي وغير موحد ويترك مساحة واسعة لتقدير رجل الأمن في المنفذ. أما بشأن احتمال ارتباط تطبيق الإجراء بمظهر المرأة، فتقول إنها لا تملك أدلة كافية للجزم بذلك. ووفقًا لمتابعتها، لا يقتصر هذا التفاوت على منفذ واحد، وإن كانت الشكاوى التي رصدتها أكثر وضوحًا في مطار بنينا، إلى جانب حالات في مطار معيتيقة وبعض المنافذ البرية.
فيما يخص النص القانوني الذي يستند عليه هذا الإجراء، تؤكد “مسعود” على عدم وجود نصًا قانونيًا ليبيًا منشورًا يجعل موافقة ولي الأمر شرطًا عامًا لسفر المرأة البالغة، “لذلك فالمشكلة ليست فقط في انتقائية التطبيق، وإنما أيضًا في السند القانوني لهذه الإجراءات”.
تقارير دولية: ملاحظات محددة حول حرية تنقل النساء:
لم يقتصر الجدل حول حرية تنقل النساء في ليبيا على النقاش المحلي، إذ تناولته تقارير صادرة عن جهات أممية ودولية بشكل مباشر. في تقرير صادر عن الأمم المتحدة العام 2023، أعربت مجموعة من الخبيرات المستقلات عن قلقهنّ، إزاء ما تتعرض له السيدات الليبيات من سياسات تميزية، صادرة عن حكومة الوحدة الوطنية، تتعلق بتقييد سفر النساء إلى الخارج من دون محرم، في تقرير أخر وصفت منظمة العفو الدولية، تصريحات وزير الداخلية بحكومة الوفاق الخاصة باقتراح حصول النساء على إذن من أولياء أمورهنّ الذكور (المحارم)، بالخطوة التي تهدف إلى انتهاك حقوق المرأة والمساواة.
فيما وثقت هيومن رايتس ووتش، ما اعتبرته ما أسمته بــ التدابير والقيود، التي يتم فرضها على سفر وتنقل النساء والفتيات في ليبيا، والتي تعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحرياتهن الأساسية.
من خلال مقارنة محتوى هذه التقارير وما يقرّه القانون الليبي، مع ما يصدر عن المسؤولين الليبيين من بيانات النفي، والتأكيد على ضمان حرية تنقل النساء؛ يمكن ملاحظة حالة التخبط والارتجال في تطبيق القرارات القانونية، والفرق الشاسع بين التشريع القانوني النافذ والتفسيرات الفردية لهذه التشريعات.
بين حرية التنقل والقيود المفروضة على سفر النساء
لطالما أثارت حرية تنقل النساء في ليبيا جدلًا اجتماعيًا ودينيًا، خصوصًا بشأن سفر المرأة البالغة دون محرم. ويظهر هذا الجدل في مواقف وتصريحات صادرة عن جهات دينية ورسمية مختلفة، إذ دعا مفتي عام ليبيا، “الصادق الغرياني”، في تصريح له إلى منع سفر المرأة دون محرم، مستندًا إلى حديث نبوي.
ويمتد هذا الجدل أيضًا إلى إجراءات السفر لأداء الحج والعمرة، إذ تتبنى دار الإفتاء التابعة للسلطات في شرق ليبيا موقفًا يدعم اشتراط وجود المحرم، فيما تشير منظومة التسجيل لأداء مناسك الحج في ليبيا إلى اشتراط وجوده لاستكمال إجراءات التسجيل. ويأتي ذلك رغم إعلان المملكة العربية السعودية، منذ عام 2023، السماح للنساء بأداء مناسك الحج والعمرة دون اشتراط مرافقة مَحرَم.
وفي المقابل، تؤكد المواقف الرسمية الليبية المعلنة على المستوى الدولي حق المرأة في حرية التنقل. ففي مارس 2026، أكدت مندوبة ليبيا لدى مكتب الأمم المتحدة، “لمياء بوسدرة”، خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل الخاصة بليبيا، حرية سفر المرأة الليبية دون قيود أو اشتراط محرم. ويكشف هذا التباين بين الخطاب الرسمي المعلن وبين شهادات نساء أفدن بمواجهتهن إجراءات أو طلبات تتعلق بوجود ولي أمر أو مَحرَم عند السفر، يظهر ذلك حجم الفجوة بين ما يدلي به المسؤولين من تصريحات وما تنقله الليبيات من شهادات، من داخل المطارات والمنافذ الرسمية.
ولا يقتصر النقاش حول سفر النساء في ليبيا على الفترة الراهنة، بل تعود محاولات تقييد سفرهن إلى سنوات سابقة، من بينها:
- 2017 – مطار بنينة الدولي: طُرحت إجراءات تقيد سفر النساء بمفردهن، مع السماح بالسفر لفئات عمرية محددة.
- 2023 – جهاز الأمن الداخلي: فُرض نموذج يتضمن الإفصاح عن أسباب السفر على النساء المسافرات من مطار معيتيقة دون مَحرَم.
- 2024 – وزارة الداخلية: دعا وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية إلى إقرار قانون ينظم سفر النساء الليبيات ويضع قيودًا عليه.
وأثارت هذه الإجراءات، في كل مرة، موجات من الاستنكار والنقاش العام، وانتهى بعضها إلى التراجع عنها أو تجميد العمل بها. وفي هذا السياق، تأتي شهادة “نسمة الشريف” الأخيرة لتعيد النقاش حول طبيعة الإجراءات التي تواجهها النساء عند السفر، وما إذا كانت تستند إلى نص قانوني ملزم، أم إلى ممارسات تختلف باختلاف المنفذ أو تقدير الموظفين العاملين فيه.