بدرة دبابي-هي تتحقق
تداولت صفحات و حسابات على موقع فيسبوك ادعاء يزعم أن دولة سويسرا تمنع إجراء فحص تصوير الثدي بالأشعة السينية (الماموغرافيا)، تحت وصف “ سويسرا تحظر فحص الماموغرافيا – فضيحة طبية تنكشف”

ويمكنكم إيجاد الادعاء هنا و هنا.
إلا أن هذا الادعاء مضلل
هل فعلا ألغت سويسرا فحص الماموعرافيا؟
لا يوجد أي قرار حكومي سويسري يمنع استخدام هذا الفحص للكشف المبكر عن سرطان الثدي.
ويعود مصدر هذا الادعاء غالبًا إلى تقرير صدر عام 2014 عن هيئة تقييم تقنيات صحية مستقلة هي Swiss Medical Board، ناقش جدوى برامج الفحص المنظمة واقترح إعادة تقييمها، لكنه لم يكن قرارًا حكوميًا ولم يؤدِّ إلى حظر الفحص.

ومنذ صدور ذلك التقرير أُسيء تفسيره في بعض المنشورات الرقمية التي قدّمته على أنه “حظر” للماموغرافيا، رغم أنه لم يتضمن أي قرار تنظيمي بإيقاف الفحص.
في الواقع، لا يزال فحص الماموغرافيا يُستخدم في سويسرا ضمن برامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي التي تُنظمها المقاطعات، ويشير تقرير علمي إلى أن فحص الماموغرافيا ما يزال جزءًا من برامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي في سويسرا.

فالتقرير الوطني لمراقبة برامج الفحص، الصادر عام 2024 عن مركز Unisanté بالتعاون مع شبكة Swiss Cancer Screening، حلّل بيانات برامج الفحص المنظمة في سويسرا بين عامي 2010 و2021، والتي شملت 10 برامج إقليمية في 14 كانتونًا واستندت إلى أكثر من 3 ملايين سجل صحي.
كما تناولت دراسة منشورة في مجلة BMC Cancer برامج الفحص بالماموغرافيا في كانتون فريبورغ، وقارنت بين الفحص ضمن برنامج منظم والفحص غير المنظم في الفترة 2006 إلى 2014، ما يعكس استمرار تطبيق برامج الكشف المبكر بالماموغرافيا على المستوى الإقليمي داخل سويسرا.
ماذا تقول الهيئات الصحية الدولية؟
توصية U.S. Preventive Services Task Force (2024)
في توصيتها الصادرة عام 2024، توصي فرقة الخدمات الوقائية الأمريكية (USPSTF) بإجراء تصوير الثدي بالماموغرافيا كل سنتين للنساء بين 40 و74 سنة، ومنحت التوصية درجة (B)، ما يعني وجود أدلة متوسطة القوة على أن الفحص يحقق فائدة صحية صافية لدى هذه الفئة العمرية.

في المقابل، اعتبرت أن الأدلة غير كافية لإصدار توصية للنساء فوق 75 عامًا أو بشأن الفحص الإضافي للنساء ذوات الكثافة العالية في الثدي.
وتشدد التوصية على أن الفائدة من الفحص تعتمد على المتابعة المناسبة والعلاج الفعّال، وهو ما يعكس مقاربة توازن بين الفوائد والأضرار، لا إنكارًا لوجود آثار جانبية محتملة.
موقف World Health Organization
تشير ورقة الموقف الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن فحص الماموغرافيا إلى أن الأدلة المستندة إلى التجارب العشوائية المحكمة (RCTs) تُظهر أن برامج الفحص بالماموغرافيا ارتبطت بانخفاض نسبي في وفيات سرطان الثدي بنحو 20% بين النساء المدعوات للفحص بعد نحو 11 سنة من المتابعة، مع احتمال أن يظهر الأثر الكامل للفحص بعد فترات متابعة أطول قد تصل إلى 20 سنة أو أكثر.

وتوضح المنظمة أن هذه النتائج تعكس فائدة الكشف المبكر، إذ يسمح الفحص باكتشاف الأورام في مراحل مبكرة عندما تكون فرص العلاج أعلى. لذلك يُطبَّق فحص الماموغرافيا عادة ضمن برامج فحص منظمة تستهدف فئات عمرية محددة من النساء، مع متابعة طبية مناسبة للحالات المكتشفة.
وفي المقابل، تشير المنظمة إلى أن الفحص قد يرتبط ببعض الآثار الجانبية المحتملة. من بينها النتائج الإيجابية الكاذبة، وهي حالات تشير فيها نتيجة الفحص إلى احتمال وجود سرطان رغم عدم وجوده فعليًا، ما قد يؤدي إلى إجراء فحوصات إضافية ويسبب قلقًا مؤقتًا لدى بعض النساء.
كما تذكر المنظمة احتمال حدوث الإفراط في التشخيص (Overdiagnosis)، أي اكتشاف أورام قد لا تتطور إلى مرض مهدد للحياة خلال حياة المريضة. وتوضح أن تقدير حجم هذه الظاهرة يختلف بين الدراسات، وهو ما يجعل تقييمها موضوع نقاش علمي مستمر عند وضع سياسات الفحص.
ما هو فحص الماموغرافيا؟
وفقًا لـ National Cancer Institute يُعرَّف التصوير الشعاعي للثدي (الماموغرافيا) بأنه فحص تصويري يستخدم جرعات منخفضة من الأشعة السينية لإنتاج صور للثدي، ويُستخدم للكشف المبكر عن سرطان الثدي وكذلك لتقييم بعض أمراض الثدي الأخرى .

وتؤكد الجمعية الأمريكية للسرطان أن كمية الإشعاع المستخدمة في الماموغرافيا صغيرة.

تصنيف الإشعاع والمخاطر المرتبطة به:
تصنّف الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التعرض للأشعة المؤينة ضمن الفئة الأولى من المواد المسرطنة، وهو تصنيف يشير إلى وجود دليل على قابلية العامل لإحداث السرطان، دون أن يحدد مستوى الخطر في الاستخدامات الطبية منخفضة الجرعة، مثل الفحوصات التشخيصية.

هل صحيح أن %60 من نتائج الماموغرافيا خاطئة؟
و يتداول الادعاء أن ما يصل إلى 60% من نتائج الماموغرافيا الإيجابية هي نتائج خاطئة، وتستخدمه للإيحاء بأن الفحص غير موثوق أو أنه يؤدي بشكل واسع إلى علاجات غير ضرورية. غير أن هذا الرقم لا يعكس بدقة ما تقوله الأدلة العلمية.
وتوضح ورقة الموقف الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن النتائج الإيجابية الكاذبة موجودة في جميع الفئات العمرية، وقد تؤدي إلى قلق مؤقت لدى النساء اللواتي يحتجن إلى فحوصات إضافية بعد الماموغرافيا، إلا أن معظمهن يحصلن لاحقًا على نتيجة طبيعية بعد الفحوصات التكميلية.
رأي مختص في الأشعة
يقول الدكتور عبد السلام الكيلاني، استشاري الأشعة التشخيصية في مركز الشعاع والتشخيص الطبي في ليبيا، إن فحص الماموغرافيا يُعد من الأدوات العلمية المعتمدة منذ عقود للكشف المبكر عن سرطان الثدي. ويوضح أن جرعة الإشعاع المستخدمة في هذا الفحص منخفضة ولا تعادل جرعات الإشعاع المرتفعة التي قد يتعرض لها المرضى في سياقات علاجية.
ويضيف أن الجرعات المستخدمة في الماموغرافيا تقع ضمن الحدود المسموح بها عالميًا، لذلك يُنصح عادةً بأن تبدأ النساء بإجراء الفحص الدوري ابتداءً من سن 40 أو 50 عامًا كل سنتين، وفق الإرشادات الطبية.
كما يشير إلى أن الكشف المبكر عن سرطان الثدي مهم جدًا لتحسين فرص العلاج. وفي بعض الحالات ذات الخطورة المرتفعة أو لدى النساء الأصغر سنًا (أقل من 40 عامًا)، قد يُستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي، لكنه يؤكد أن الماموغرافيا تظل أكثر دقة في الكشف المبكر عن سرطان الثدي. ويضيف أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مجال تحليل صور الماموغرافيا ساهم في تحسين القدرة على رصد بعض المؤشرات المرضية التي قد لا تكون واضحة للعين البشرية.
بعد التحقق من الأدلة العلمية والتوصيات الصحية الدولية، تبيّن أن الادعاء مضلل.
فلا يوجد أي قرار حكومي في سويسرا يمنع فحص الماموغرافيا، كما أن الهيئات الصحية الدولية ما تزال توصي به كوسيلة للكشف المبكر عن سرطان الثدي ضمن الفئات العمرية الموصى بها، مع الاعتراف بوجود بعض الآثار الجانبية المحتملة مثل النتائج الإيجابية الكاذبة أو الإفراط في التشخيص.