بالأدلة والسياق! كيف جرى اجتزاء واجهة تغطية الصحفية خولة بوكريم لإنتاج ادعاء مضلل؟

انتصار خصخوصي-هي تتحقق

“تغيير سياق صورة واحدة، كفيل بإشعال محاكمة علنية على وسائل التواصل الاجتماعي.”

هذا ما حدث مع الصحفية التونسية المديرة التنفيذية لـ”تونس ميديا المقيمة في فرنسا، خولة بوكريم، التي تحولت تغطيتها المهنية لمظاهرة في باريس إلى مادة دسمة لحملة تضليل واسعة.

من خلال عبارة مفبركة نُسبت إليها تصف احتجاجها بـ”الصدور العارية”، جرى توجيه الرأي العام نحو سيل من التخوين والتحريض والتهكم الجندري.

في هذا التقرير، يتقصى فريق “هي تتحقق” الخيوط الرقمية لهذه الحملة، كاشفاً زيف الادعاء، ومسلطاً الضوء على واقع حرية الصحافة في تونس التي باتت تعيش حصاراً رقمياً وقانونياً شرساً ضد الأصوات الإعلامية المستقلة

الادعاءات المتداولة

تداولت صفحات وحسابات على فيسبوك صورة للصحفية خولة بوكريم، زعم ناشروها أنها لها خلال مظاهرة، مع تعليق ينسب إليها تصريحًا صريحًا بالاحتجاج بـ”صدور عارية” ضد الرئيس قيس سعيد، إلى جانب تعليقات ساخرة مثل: “وقتاش مهرجان سيدي العريان”

صورة ملتقطة من الشاشة لأحد الادعاءات المتداولة

وأخرى تحريضية كالادعاءات التالية : 

من فرنسا، الصحفية خولة بوكريم :”سنتصدى لقيس سعيد بصدور عارية”

يشار ان الصحفية خولة بوكريم صاحبة موقع تونميديا غادرت تونس فجأة لتلتحق بمجموعة كبيرة من الفارين من العدالة ومحتمين بالغرب… لتصبح بوق دعاية لاكاذيبهم

كما وجب التذكير ان خولة بوكريم لم توضح ان كان تصريحها مجرد تعبير مجازي او فعلا  ستحتج ضد قيس سعيد  بصدر عاري على شاكلة مجموعة Femen… 

م.ش

صورة ملتقطة من الشاشة لأحد الادعاءات المتداولة

وادعاء اخر بنص يقول : 

#لكم_التعليق 🤔🤔

في تصريح أثار الجدل، نقلت مصادر إعلامية عن الصحفية التونسية خولة بوكريم، المقيمة في فرنسا، قولها: “سنتصدى لقيس سعيد بصدور عارية”. يأتي هذا التصريح في سياق مغادرتها تونس وانضمامها إلى مجموعة من الشخصيات المعارضة المقيمة في الخارج. وتعتبر هذه المجموعة، التي تضم من يوصفون بـ “الفارين من العدالة”، من أبرز الأصوات المنتقدة للرئيس قيس سعيد. ولم يتضح بعد ما إذا كان تصريح بوكريم يعبر عن موقف مجازي رمزي، أم أنه يشير إلى نية فعلية للاحتجاج بأسلوب مشابه لما تقوم به حركة “فيمن” النسوية.

#trendingreels #trendingreelsvideo #fypシ゚ #أخبار #trend #تونس #عاجل #travel #Tunisie #desember #merrychristmas #newyear #wind

صورة ملتقطة من الشاشة لأحد الادعاءات المتداولة

ويمكن ايجاد هذه الادعاءات هنا و هنا وهنا.

حقيقة الصورة المتداولة والسياق

قام فريق “هي تتحقق” بالبحث عن الصورة المعنية وتبيّن أنها لقطة شاشة مقتطعة من فيديو أصلي هنا  نشرته بوكريم على حسابها الموثق في فيسبوك بتاريخ 2 مايو 2026، يوثق تغطيتها لمظاهرة في باريس تحت عنوان: “الحرية للمعتقلين السياسيين في تونس، الحرية للصحافة التونسية”، وكان تعليقها الأصلي:

لن تهزم يا قيس سعيد نساء آمَّن بالوطن كمساحة لكل الناس…” ولم ترد فيها أي عبارة عن “الصدر العاري”.

موقف الصحفية

صورة ملتقطة من الشاشة من الفيديو المنشور في حساب بوكريم

هذا وقد نشرت “بوكريم” على حسابها منشوراً استنكرت فيه الحملة التي تعرّضت لها عقب تغطيتها للمظاهرة المعارضة في باريس، معتبرة أن المحتوى المتداول تضمّن مسًّا بسمعتها الشخصية وتحريضًا ضدها وضد عائلتها، كما أعلنت تمسّكها بحقها في التتبع القضائي لكل من شارك في نشر تلك الادعاءات. 

منشور خولة بوكريم من حسابها على فيسبوك

كما نشرت مؤسسة توميديا -متمثلة في هيئة تحريرها- على موقعها الرسمي “بلاغًا توضح فيه ما وصفته بـ”حملة تشويه ممنهجة” تستهدف المؤسسة وبعض العاملين فيها، وذلك على خلفية منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويأتي هذا الادعاء في سياق حملات سابقة استهدفت “بوكريم” على مواقع التواصل الاجتماعي، تم خلالها تداول تصريحات ومواقف منسوبة إليها، إلى جانب منشورات تضمّنت مسًّا بسمعتها الشخصية وبعائلتها، خاصة على خلفية مواقفها السياسية وتغطياتها الإعلامية. 

يمكن الإطلاع عليهم من هنا و هنا و هنا و هنا و هنا  وهنا و هنا.

تفاعل و تعليقات مستخدمي فيسبوك 

تنوعت تعليقات مستخدمي فيسبوك بين السخرية اللاذعة، والسب والشتم المباشر، واتهامات بالتخوين والعمالة، إلى جانب تهديدات صريحة بالتصدي للصحفية.

كما تضمنت التعليقات عبارات تقلل من شأنها بصفتها امرأة، وتسخر من فكرة الاحتجاج بـ”الصدر العاري”. في المقابل، ظهرت تعليقات قليلة تناولت انتقادات سياسية موجهة للرئيس قيس سعيّد، دون تعليق مباشر على الادعاء نفسه.

تعليقات مستخدمي فيسبوك عن أحد الادعاءات المتداولة

السياق العام.. تونس بين الأرقام والقوانين والحصار

وفقًا للتقرير السنوي الصادر عن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في 2 مايو 2026، سُجّلت 154 حالة اعتداء على الصحفيين بين أبريل 2025 وأبريل 2026.

وبالنظر إلى السنوات الخمس الماضية، نلاحظ تراجعًا تدريجيًا في الأرقام: من 214 حالة عام 2022، إلى 257 عام 2023، ثم 211 عام 2024، فـ167 عام 2025، وصولًا إلى 154 عام 2026.

لكن هذا الانحدار الكمي، بحسب التقرير نفسه، لا يعكس تحسنًا فعليًا في واقع حرية الصحافة، فما حدث هو تحوّل في طبيعة الانتهاكات، حيث غابت الاعتداءات الجسدية جزئيًا، لتحل محلها أشكال أخرى تمثلت في مضايقات رقمية، تتبعات قضائية بموجب نصوص استثنائية مثل المرسوم 54 -المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال- وعزل اقتصادي، وتراجع في الإبلاغ بسبب مناخ الخوف، وهذا ما تؤكده أيضًا منظمة مراسلون بلا حدود، التي توثق أن ترهيب الصحفيين أصبح “أمرًا مألوفًا” في تونس.

مرسوم عدد 54 لسنة 2022 مؤرخ في 13 سبتمبر 2022 يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال

ووثّقت منظمة مراسلون بلا حدود أنه “أصبح ترهيب الصحفيين أمرًا مألوفًا في تونس”، ففي عام 2024 وحده، تمت متابعة أكثر من عشرة صحفيين قضائيًا بسبب عملهم، ومن أبرزهم مراد زغيدي، المحتجز منذ 11 مايو 2024.

وفي إطار متابعة أوضاع حرية الصحافة في تونس، يوثق مؤشر مقياس مراسلون بلا حدود احتجاز أربعة صحفيين وإعلاميين بين مايو 2023 وأبريل 2026، ثلاثة منهم صدرت بحقهم أحكام بالسجن (بورحان بسياس، مراد الزغيدي، شذى حاج مبارك) وآخر قيد الاحتجاز دون إدانة بعد (زياد الهني).

الجدير بالذكر أن محكمة استئناف تونسية قد أفرجت يناير الماضي عن الصحفية شذى حاج مبارك المحتجزة منذ 20 يوليو 2023 إلى 15 يناير 2026، بينما لا يزال كل من بسياس والزغيدي محكومين ومحتجزين منذ 22 مايو 2024. أما الهني، وهو كاتب عمود حر، فموقوف منذ 24 أبريل 2026. تعكس هذه الوقائع تصاعد القيود على العمل الصحفي في تونس، وتستدعي إدانة دولية واضحة.

مؤشر مقياس مراسلون بلا حدود

من جهتها أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين اختطاف زميلهم حافظ مريبح على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث كان مريبح يواكب “أسطول الصمود الدولي” لكسر الحصار عن غزة، وهو ما يمثل خرقًا صارخًا للقوانين والمواثيق الدولية التي تحمي الصحفيين في مناطق النزاع، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.

البعد الجندري.. سلاح بغلاف رقمي

التعليقات التي رافقت الادعاء ضد بوكريم لم تكتفِ باتهامها بالتخوين أو الكذب، بل تضمنت عبارات صريحة تقلل من شأنها بصفتها امرأة، وتربط بين جسدها وموقفها السياسي (مثل التعليق الساخر “مهرجان سيدي العريان”)، وهذا يكشف عن بعد جندري واضح في حملات التشهير، حيث تُستخدم صورة الجسد الأنثوي كأداة للإسكات والنفي الأخلاقي.

الادعاء ضد الصحفية خولة بوكريم مضلل بالكامل، وهو مثال نموذجي لحملات الاجتزاء والتشويه الرقمي، وهذه الحملات لا تحدث في فراغ، بل في سياق وطني يوثق تراجعًا مستمرًا في مؤشرات حرية الصحافة، وفقًا لأحدث تقارير النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ومنظمة مراسلون بلا حدود.

WhatsApp
Telegram
Twitter
Facebook

مقالات متشابهة

ماذا جرى في سبها؟ دليل لفهم واقعة الجلد وتصويرها وموقع القانون الليبي منها

عمل فني للمغنية الليبية أميرة يوسف يُنتزَع من سياقه ويُستغل للتشهير بها

زوجة عثمان ديمبلي لم تحتفل بهدف فرنسا في مرمى المغرب

انتشار في الجزائر لمقطع مجتزأ لـ”كوتش نانا”… لا، هي لم تدعُ النساء للتخلي عن أسرهن