“سحر مأكول” أم متلازمة طبية؟ كيف يُفسَّر قيء النساء لكتل الشعر؟

إيناس المزيني-هي تتحقق

 

تداولت صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يزعم أن حالة قيء شديد يحتوي على كتل من الشعر تعود إلى أعمال “سحر ومسّ”، تحت مزاعم ووصفات تتعلق بالرقية والمعالجة الروحية لخروج ما يُسمى بـ “السحر المأكول”. تجدون رابط الادعاء هنا.

لقطة شاشة للادعاء المتداول بتاريخ 31/10/2026

 

ففي حين يُرجع مروجو الادعاء هذه الحالة إلى مسببات غير عضوية، حسم الطب الحديث عن تشخيص هذه الظاهرة؛ فهل هناك تفسير طبي مثبت علمياً لخروج هذه الكتل؟

الحقيقة العلمية خلف تكتلات الشعر والقيء

تؤكد الأدبيات والمراجع الطبية أن ظهور هذه الكتل داخل الجهاز الهضمي يعود لأسباب عضوية ونفسية بحتة وموثقة تشخيصياً، ترتبط بالاضطرابات السلوكية القهرية ومقاومة خصلات الشعر للإنزيمات الهاضمة ولا توجد أي صلة علمية أو طبية بين الأعراض المعوية الحادة وخروج كتل الشعر وبين ما يُروج له كـ “سحر مأكول”.

“متلازمة كرة الشعر” ومتلازمة “رابونزل“

وفقاً لدراسة سريرية نُشرت في المجلة العلمية لتقارير الحالات الجراحية والمؤرشفة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب تُعرف الحالة التي تتراكم فيها كتل الشعر داخل الجهاز الهضمي طبياً باسم “كرة الشعر” (Trichobezoar) وتنشأ هذه الحالة عندما يتراكم الشعر الصعب الهضم داخل ثنايا المعدة بمرور الوقت.

عندما تمتد هذه الكتلة الصلبة وتخرج من بوابة المعدة لتصل إلى الأمعاء الدقيقة، تُعرف طبياً باسم “متلازمة رابونزل” (Rapunzel Syndrome)،  وذلك نسبة للشعر الطويل المنسدل المستوحى من الحكاية الخيالية الشهيرة للأميرة “رابونزل”.

صورة ملتقطة من الشاشة لتقرير طبي منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب PMC يوضح التعريف العلمي الدقيق لحالة كتلة الشعر ومتلازمة رابونزيل

كيف يتكون الشعر في الجهاز الهضمي؟

توضح دراسة علمية حول تاريخ وعلاج التكتلات المعوية، نُشرت في دورية أمراض الجهاز الهضمي والكبد المؤرشفة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، أن شعر الإنسان يتميز بخصائص فيزيائية وكيميائية تجعله مقاوماً تماماً للهضم بالإنزيمات المعدية وللحركة الدودية الطبيعية للأمعاء. وعند بلع الشعر (بشكل غير مقصود)، يبدأ بالاحتجاز بين طيات الغشاء المخاطي للمعدة، ومع مرور الوقت وتداخل خصلات الشعر مع بقايا الطعام والمخاط، تتشكل تدريجياً كتلة صلبة وكثيفة (Trichobezoar)، والتي قد يزداد حجمها لتمتد نحو الأمعاء الدقيقة فيما يُعرف طبياً بـ “متلازمة ريبونزل” (Rapunzel syndrome).

لقطة شاشة توضح التعريف العلمي لتشكل كتل الشعر وامتدادها داخل الجهاز الهضمي

 

ويشير المرجع العلمي إلى أن هذه الظاهرة ترتبط غالباً باضطرابات سلوكية أو نفسية قهرية تؤدي لابتلاع الشعر أو الألياف والمواد غير الغذائية؛ حيث يبتلع المريض هذه المواد بشكل متكرر منذ الطفولة، وهي حالات موثقة طبياً ونفسياً وتصيب الإناث بنسب أعلى.

فيما تؤكد دراسة مرجعية حول تاريخ وعلاج التكتلات المعوية، نُشرت في دورية أمراض الجهاز الهضمي والكبد، أن التكتلات داخل الجهاز الهضمي لا يقتصر حصراً على حالة “أكل الشعر” السلوكية بل تشير إلى أن الكتل النباتية والألياف غير الهضمية تعد النوع الأكثر شيوعاً بنسبة تتجاوز 40% من الحالات المسجلة.

لقطة شاشة توضح تصنيف التكتلات المعوية

 

وتتكون هذه التكتلات لدى البالغين وكبار السن نتيجة عوامل عضوية وفيزيائية متعددة؛ مثل ضعف مضغ الطعام، الابتلاع العرضي للألياف الصلبة أو الخصلات الدقيقة الممزوجة بالطعام، أو وجود بطء طبيعي في حركة المعدة وتفرغها. كما قد تشير تقارير الحالات إلى احتمال اختلاط الألياف بمواد غير قابلة للهضم مثل ألياف الأقمشة أو المواد الإنشائية كالجبس التي قد يبتلعها الشخص على مدى فترات طويلة ودون وعي كامل من المحيطين به.

الأعراض السريرية والمضاعفات:

وفقاً لدراسة سريرية حول تحديات تشخيص الكتل الشعرية المعدية ، فإن الأعراض السريرية لكتل الشعر في المعدة غالباً ما تكون غامضة وغير تخصصية، وتشمل آلام البطن المتقطعة، الغثيان، القيء المتكرر، الشبع المبكر، وظهور كتلة ملموسة في البطن العلوي أحياناً. وغالباً ما يتأخر تشخيص هذه الحالة ولكن إذا تركت دون علاج، فقد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة في الجهاز الهضمي تشمل قرح المعدة، النزيف، والانسداد المعوي أو حتى انثقاب جدار الأمعاء.

أوضح الدكتور أحمد خرواط، جراح عام مدير مجتمع الشبكة العربية لمدققي المعلومات والمتخصص في تدقيق المعلومات الطبية:

“إن ظاهرة كتل الشعر في المعدة (Trichobezoar) هي حالة طبية معروفة وسبق أن رأيناها في حالات عدة؛ حيث يأتي المرضى للمستشفى عند حدوث الألم المتوسط نتيجة ازدياد حجم الكتلة أو تكوّن القرح، أو النزول الحاد في الوزن نتيجة الشبع السريع، أو في حالات نادرة نتيجة الانسداد المعدي أو المعوي.”

وأوضح د. خرواط بشأن المسببات أنها “مصاحبة للاضطرابات النفسية وخصوصاً الوسواس القهري، وتحدث نتيجة اضطرابات سلوكية أهمها هوس نتف الشعر (Trichotillomania) وأكل الشعر (Trichophagia).”

 

وحول الادعاءات المتعلقة بالسحر، أكد د. خرواط أنه “لا يمكن لكتل الشعر التي تظهر في هذه المقاطع أن تتكون إلا بعد ابتلاع منتظم للشعر بعد عدة شهور وحتى سنوات، ومن الصعب جداً استخراجها من الفم في هذه الحالة (وبهذا الحجم) حتى باستخدام المنظار العلوي، لذا غالباً نلجأ إلى العمليات الجراحية”. وأضاف أنه “يمكن بسهولة التعرف على مصدر هذا الشعر في هذه الحالات عبر فحص مناطق الشعر المختلفة في جسم المريض؛ حيث يكون من الواضح نقص الشعر إما من فروة الرأس أو الحاجبين أو غيرها من أماكن نموه.”

القيء القسري عبارة عن استجابة فسيولوجية ميكانيكية

وفيما يتعلق بالممارسات التي ترغم الأشخاص على تجرع كميات كبيرة ومفاجئة من السوائل والزيوت لإحداث الاستفراغ، تفند دراسة علمية بعنوان “آليات الغثيان والقيء: التقدم الحديث في نظم إشارات القيء داخل الخلايا” المنشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب التفسيرات التي تربط الحالة بالسحر. وتبين الدراسة أن القيء يُعد آلية دفاعية فسيولوجية طبيعية يلجأ إليها الجسم كاستجابة وقائية حاسمة لطرد المحتويات قسرياً للخارج؛ حيث تؤدي الاستثارة الشديدة في القناة الهضمية إلى تحفيز المستقبلات العصبية الموزعة على العصب الحائر، والتي تنقل بدورها الإشارات الحسية فوراً إلى مركز القيء في جذع الدماغ لتطلق انقباضات قسرية تدفع الكتل الصغيرة والسوائل إلى الخارج.

 

لقطة شاشة توضح أن القيء يعد آلية دفاعية يلجأ إليها الجسم لطرد المحتويات قسرياً عند التعرض لمحفزات للقناة الهضمية

 

وهذا الاندفاع الفسيولوجي يفسر تماماً التساؤل المطروح: لماذا لا تخرج هذه الأجسام بالقيء الطبيعي طوال العمر، بينما تظهر ألياف أو خيوط صغيرة عند تجرع لترات هائلة من الماء والزيوت؟

فالمعدة تعمل فيزيائياً كـ مصيدة تحتفظ بالكتل الضخمة الملتصقة بثناياها والتي يستحيل خروجها بالاستفراغ العادي لضخامتها. وتأكيداً لهذه الحقيقة، تُثبت دراسة علمية عن كتل المعدة والمنشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن كتل الشعر  تتميز ببنية فيزيائية شديدة القسوة والكثافة والتداخل، لدرجة أن المناظير الطبية المتقدمة تعجز عن تقطيعها أو سحبها بسهولة، وتستدعي تقنيات تفتيت ميكانيكية أو حرارية معقدة لتجزئتها.

 

التشخيص الطبي المعتمد:

وتؤكد دراسة تشخيصية منشور في دورية (Acta Radiologica Open) أن تشخيص هذه الحالة يُحسم حصرياً عبر الأشعة المقطعية والمنظار الداخلي لرؤية الأجسام والألياف المتراكمة وتحديد الخيار الجراحي أو الطبي المناسب.

وفي المقابل، تحذر المؤسسات الصحية المتخصصة والدراسات الإكلينيكية المعنية بصحة الجهاز الهضمي والاضطرابات السلوكية من اللجوء إلى ممارسات القيء المستحث والمتكرر تحت أي ذريعة؛ إذ تؤكد الأدبيات الطبية أن القيء القسري لا يمثل أداة علاجية ولا وسيلة لإزالة التكتلات المادية المترسبة في ثنايا المعدة، بل يُعد سلوكاً ضاراً يقود إلى مضاعفات جسدية خطيرة تشمل تهيج وتقرحات المريء والتضرر بالأنسجة المعوية.

وتطابقاً مع التصنيفات الدولية المعتمدة، تُصنف منظمة الصحة العالمية في دليلها الرقمي (ICD-11) ظاهرة تكتلات المعدة ضمن الأجسام الغريبة المتراكمة داخل الجهاز الهضمي، والتي تتطلب تشخيصاً بالأشعة والمنظار وتدخلاً طبياً لإزالتها بشكل كامل.

لقطة شاشة من التصنيف الدولي للأمراض الصادر عن منظمة الصحة العالمية، يوضح إدراج تكتلات المعدة ضمن الأجسام الغريبة المتراكمة في الجهاز الهضمي كحالة طبية وعضوية

 

وبعد التحقق من الأدلة العلمية والمراجع الطبية الموثقة، تبيّن أن الادعاء مضلل.

فلا توجد أي صلة علمية أو طبية بين أعراض القيء وخروج كتل الشعر وبين الادعاءات المتداولة. وتؤكد الدراسات أن هذه الحالات تعود لمرض عضوي بحت يتم تشخيصه عبر الأشعة والمنظار.

 

تنويه:

تم الاعتماد على الأبحاث والدراسات الموثقة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب نظراً لكونها المرجع العالمي الأوثق والأكثر صرامة في تحكيم الأبحاث الطبية والإكلينيكية. فهذه المنصة لا تنشر اجتهادات فردية، بل تضم أوراقاً بحثية وتقارير حالات محكمة من كبرى المستشفيات ودور النشر العلمية العالمية، مما يضمن تقديم أدلة صلبة وخالية من أي ثغرات تفسر الظواهر العضوية والنفسية بدقة تامة بعيداً عن التفسيرات غير العلمية.

WhatsApp
Telegram
Twitter
Facebook

مقالات متشابهة

الصمت والأجندات الخارجية: ماذا تُظهر نتائج التحقق من مواقف المنظمات النسوية بشأن الحجاب في أذربيجان؟

فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي ومقطع قديم ومنشورات متطابقة:ما حقيقة المحتوى المتداول عن رانيا حنيش؟

معلمات مصراتة لم يظهرن بمجوهرات ذهبية في مظاهرة زيادة الرواتب… والصورة متلاعب بها

ادعاء مضلل بوفاة الصحفية الليبية ابتسام غفير